من المسيرة الخضراء إلى مسيرة النماء: المغرب يرسم ملامح الصعود التاريخي

الدينامية الدبلوماسية تتكامل مع دينامية داخليةٍ تنمويةٍ غير مسبوقة، تشهد على أن المغرب لم يكتفِ باسترجاع صحرائه، بل جعل منها رمزًا للتنمية الوطنية الجديدة.

خمسون سنة مرّت على تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ المغرب المعاصر، يوم خرج أكثر من 350 ألف مغربي ومغربية يحملون المصحف والعلم الوطني، في مسيرة خضراء غيّرت وجه الجغرافيا والسياسة، وأعادت كتابة تاريخ الأمة بمدادٍ من سلمٍ ووحدةٍ وإيمان.

لقد كانت المسيرة الخضراء المظفرة أكثر من حدث سياسي، إذ شكّلت ثورةً في الوعي الوطني، ومعلمًا حضاريًا يجسد عبقرية الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، الذي اختار طريق السلم والوحدة الوطنية بدلًا من منطق الصراع والانقسام.

واليوم، وبعد نصف قرن، يؤكد الملك محمد السادس، في خطابه السامي أن "المسيرة الخضراء لم تكن فقط لاسترجاع الأرض، بل كانت انطلاقةً لمسارٍ تنمويٍّ شاملٍ جعل من أقاليمنا الجنوبية نموذجًا فريدًا في الجهوية المتقدمة والتنمية المتكاملة".

من معركة الأرض إلى معركة النموذج

ومنذ أن استعاد المغرب صحراءه بسلام، انطلقت معركة أخرى لا تقل مجدًا ولا رمزية: معركة البناء والنماء، فقد تحولت الأقاليم الجنوبية إلى فضاءٍ للريادة التنموية ومختبرٍ لتجسيد الرؤية الملكية في العدالة المجالية.

وفي خطابه، شدد الملك على أن "الأقاليم الجنوبية أصبحت فضاءً متكاملاً للتنمية، بمشاريع كبرى في مجالات البنيات التحتية، والموانئ، والطاقة المتجددة، والصيد البحري، واللوجستيك".

من العيون إلى الداخلة، يتجسد اليوم مغرب الغد: طرقٌ سيارة تربط الصحراء بعمق المملكة، ومشاريع طاقة شمسية وريحية تسهم في التحول الأخضر، وموانئ استراتيجية تفتح المغرب على إفريقيا جنوب الصحراء، ومناطق صناعية تستقطب الاستثمارات الدولية.

لكن الأهم من كل ذلك هو الرؤية الملكية المتكاملة التي تجعل من الإنسان محور التنمية. يقول الملك محمد السادس "لقد حرصنا على أن يكون المواطن الصحراوي في قلب هذه المشاريع، فتنميتها تنطلق من الإنسان وإليه تعود".

المسيرة الخضراء الجديدة: من الدفاع إلى الريادة

لقد تحوّل المغرب، بفضل وضوح رؤيته وإصراره على نهجه السيادي، من دولةٍ تدافع عن وحدتها الترابية إلى قوةٍ إقليميةٍ تصنع تحالفاتها وتفرض مكانتها.

واليوم، يقطف المغرب ثمار دبلوماسيته الهادئة، حيث تتوالى الاعترافات بمغربية الصحراء، ويزداد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي كحلٍّ وحيدٍ وواقعي.

وفي هذا السياق، أكد العاهل المغربي أن "الاعتراف المتزايد بمغربية الصحراء يعكس قوة الموقف المغربي ومصداقيته، وهو ثمرة العمل الدبلوماسي الجاد والمستمر، الذي جعل من قضية الصحراء حجر الزاوية في علاقات المغرب الخارجية".

وهذه الدينامية الدبلوماسية تتكامل مع دينامية داخليةٍ تنمويةٍ غير مسبوقة، تشهد على أن المغرب لم يكتفِ باسترجاع صحرائه، بل جعل منها رمزًا للتنمية الوطنية الجديدة. فالمسيرة اليوم لم تعد تُقاس بخطواتٍ على الرمال، بل بمشاريع تُنجز، ومؤشراتٍ تنمو، ومكانةٍ تُبنى بثبات.

من ملحمة التحرير إلى مشروع الريادة

وحين نستحضر المسيرة الخضراء بعد نصف قرن، فإننا نستحضر مسيرة وطنٍ لم يتوقف عن الحلم والعمل. ويقول الملك محمد السادس في خطاب الذكرى الخمسين "المسيرة الخضراء ليست فقط حدثًا من الماضي، بل هي مسيرة متجددة، نستمد منها روح الوطنية والإصرار على رفع التحديات، وبناء مغرب موحد، مزدهر، ومتكامل".

وبهذه الكلمات، يضع الملك الإطار الفلسفي للمسيرة الجديدة: مسيرة التنمية والريادة، التي تتجاوز الصحراء إلى كل الجهات، وتجعل من العدالة المجالية والكرامة الإنسانية عماد المشروع المغربي الصاعد.

لقد أصبحت المسيرة الخضراء مبدأً حيًا في الذاكرة الوطنية، ومنهجًا في الحكم والتدبير، ورمزًا للانتقال من الدفاع إلى البناء، ومن السيادة الترابية إلى السيادة الاقتصادية والمعرفية.

نحو مغرب الصعود والتجدد

بعد خمسين عامًا من المسيرة الأولى، يعيش المغرب اليوم مسيرته الثانية — مسيرة بناء مغرب المستقبل. مغربٌ يضع الإنسان قبل المكان، والوحدة قبل الخلاف، والتنمية قبل الشعارات. مغربٌ يعرف طريقه، ويرسم ملامحه بثقةٍ في النفس واستشرافٍ للمستقبل.

إنها المسيرة الخضراء المستمرة، التي تمضي تحت قيادة الملك محمد السادس نحو مغربٍ صاعد، قوي، مندمج، ومتجذر في تاريخه، منفتحٍ على محيطه، وواثقٍ من قدرته على صنع الغد بنفس الروح التي صنعت الأمس.