واشنطن ترسم ملامح التسوية: لماذا صار الحكم الذاتي المغربي المرجعية الوحيدة الممكنة؟

لم يكن تصريح بولس على منصة "إكس" مجرد رسالة عابرة، بل إشارة قوية تعكس إرادة استراتيجية للولايات المتحدة في تثبيت مرجعية الحكم الذاتي كخيار لا رجعة فيه.

في خضم زحمة اللقاءات التي تعرفها أروقة الأمم المتحدة في نيويورك على هامش دورتها الثمانين، خطف تصريح مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، الأنظار وأعاد الملف الصحراوي إلى صدارة النقاش الدولي. فاللقاء الذي جمعه بستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل شكّل محطة لتثبيت موقف أميركي بالغ الدلالة: مبادرة الحكم الذاتي المغربية ليست خياراً بين خيارات، بل أصبحت ـ وفق تعبير واشنطن ـ الحل "الوحيد الواقعي والجدي" لإنهاء نزاع طال أمده.

أكثر من إعلان ديبلوماسي

لم يكن تصريح بولس على منصة "إكس" مجرد رسالة عابرة، بل إشارة قوية تعكس إرادة استراتيجية للولايات المتحدة في تثبيت مرجعية الحكم الذاتي كخيار لا رجعة فيه. فواشنطن تدرك أن استمرار النزاع لا يهدد فقط استقرار شمال أفريقيا والساحل، بل يفتح أيضاً ثغرات أمام قوى إقليمية ودولية منافسة، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى هندسة جديدة للأمن والتنمية.

انسجام مع مزاج دولي متنامٍ

الموقف الأميركي لم يعد معزولاً، إذ يميل التوجه العام داخل مجلس الأمن إلى اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية قاعدة واقعية لأي حل سياسي. القوى الكبرى المؤثرة لم تعد تطرح سيناريوهات أخرى، إدراكاً منها أن مشاريع الانفصال أو العودة إلى مربع الاستفتاء باتت وصفات غير قابلة للتطبيق، بل وصفات للفوضى.

بين الواقعية والطموح

ترتكز المقاربة الأميركية على عنصرين:

الواقعية السياسية، التي ترى أن أي حل خارج إطار السيادة المغربية محكوم عليه بالفشل.

الطموح التنموي، حيث يربط الموقف الأميركي بين الحكم الذاتي والاستقرار والازدهار الإقليميين. وهذا يعني أن واشنطن لم تعد تنظر إلى النزاع كملف جيوسياسي صرف، بل كعامل حاسم في رسم مستقبل اقتصادي متوازن للمنطقة.

نحو أكتوبر: اختبار مجلس الأمن

مع اقتراب موعد مناقشة الملف داخل مجلس الأمن في أكتوبر المقبل، يكتسب الموقف الأميركي بعداً مضاعفاً. فهو ليس فقط توجيهاً ديبلوماسياً، بل رسالة إلى بقية الأعضاء مفادها أن الانحياز للحكم الذاتي لم يعد خياراً سياسياً بل واجباً استراتيجياً لفرض الاستقرار.

الحكم الذاتي المغربي لم يعد مجرد مبادرة سياسية مطروحة على طاولة المفاوضات، بل تحوّل، بفضل رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى مشروع حضاري متكامل يربط بين السيادة الوطنية والتنمية المحلية، وبين الاستقرار الإقليمي والطموح الأفريقي. ومن هنا، فإن السؤال المطروح على المجتمع الدولي اليوم ليس: "هل الحكم الذاتي حل مناسب؟"، بل: "متى سيتحمل العالم مسؤوليته في جعله واقعاً يفتح أبواب الاستقرار والازدهار للمنطقة المغاربية وأفريقيا بأكملها؟".