رمزية اللغة السينمائية في فضاء 'أبي لم يمت'

العمل يعرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة السادسة من مهرجان سيني بلاج الهرهورة.

عرض فيلم "أبي لم يمت" للمخرج المغربي عادل الفاضلي، ضمن المسابقة الرسمية للدورة السادسة من مهرجان سيني بلاج الهرهورة، قصة تتابع تفاصيل حياة الطفل مالك مع والده مهدي في مدينة ملاهٍ يعملان فيها عمال صيانة، قبل أن يقدم الأب لابنه خمس لوحات فنية مميزة تفتح أمامه آفاقا من الدهشة والأمل في حياة أفضل، إذ يحقق العمل بهذه البداية توازنا بين جمالية الصورة السينمائية وقوة الخطاب التاريخي، ليجعل من الفن وسيلة لمراجعة الذاكرة الجماعية واستعادة قيم الحرية والكرامة.

الفيلم من سيناريو عادل الفاضلي وألكسيس كارو، وبطولة كل من امحمد خيي، عمر لطفي، فاطمة عاطف، فوزي بنسعيدي، نادية كوندة، عزيز الفاضلي، عبدالنبي بنيوي، ديديي بنورو، وآدم الرغال.

يُفتتح الفيلم بمشهد شديد الرمزية، يربط بين حدث شخصي وحدث وطني، إذ يتزامن ميلاد الطفل مالك مع اعتلاء العاهل المغربي الملك محمد الخامس للعرش، فيحول لحظة الفرح العائلي إلى لحظة محمّلة بدلالات تاريخية، بينما الفرح سرعان ما ينقلب مأساة مع موت الأم المفاجئ، وهو الحدث الذي يُفقد الطفل صوته، ليظل أسير صمته لسنوات. هذا التمهيد المأساوي يمنح الفيلم قاعدة سردية صلبة، يتسع نطاقها في ما بعد ليشمل فضاء السيرك الشعبي، إذ يعمل الأب عملا بسيطا، فيما يلازمه طفله بريئا متحركا وسط الزحام، مثيرا قلق والده الدائم من خطر الضياع أو الأذى.

ويُؤسّس السرد السينمائي حبكته على مفارقة درامية ذات دلالات عميقة، فيؤجل اقتحام المعترك السياسي إلى حين تشكّل البنية الدرامية التي يظهر من خلالها الأبطال وقد جُرّوا إلى صراع السياسة قسرا، ويتجلى ذلك في شخصية مهدي (عمر لطفي)، الذي ظل منشغلا بتربية ابنه مالك (آدم الرغال) والبحث عن رزق يومي من عمله في السيرك الشعبي، قبل أن يطرق باب السياسة عنوة، لتغدو حياته امتدادا لمأساة كبرى لم يخترها.

وتأخذ اللغة السينمائية مساحتها الواسعة في الفيلم عبر تكوين لقطات يحضر فيها السيرك بما يتيحه من ألعاب بهلوانية وخدع سحرية تُربك الجمهور وتُثير فضوله، فيضمن النص السينمائي بقاء الغرائبية حاضرة على طول المسار الدرامي.

ومن خلال هذا الفضاء الشعبي، تتجلى تفاصيل المشهد المغربي في تلك المرحلة الحساسة، عندما تُعرض حيوات العاملين في السيرك وقصصهم المتباينة بوصفها مرآة لواقع اجتماعي متأزم، مثل المزج المبدع بين الخيال الطفولي المستوحى من اللوحات وبين قسوة الواقع الذي يعيشه الطفل، وهي إحدى أبرز نقاط تميز الفيلم، إذ يبرع السيناريو في توظيف هذه الثنائية لتجسيد حقبة خطيرة من تاريخ المغرب.

وتبقي اللقطات المقربة من وجه الطفل مالك العاجز عن النطق، المشحون بغضب داخلي، حضوره قويا في أكثر مشاهد الفيلم، فيتجلى التعاطف الذي يكنّه للضحايا من حوله، وفي مقدمتهم ابن مُقدم العروض المشوه الخِلقة، الذي يُستغل بلا رحمة ليُقدَّم للجمهور بوصفه وحشا يثير الخوف والنفور، بينما يعجز مالك عن التعبير بكلمات، فيكتم غيظه مكتفيا بلغة وجهه والصمت، وهذا الأسلوب يفرض على الممثل أداءً شديد الحساسية ليترجم هذا التوتر الداخلي بتناغم مع فضاء السيرك وشخصياته، وهذا المحيط على قسوته يمنح الطفل سندا إنسانيا، إذ يحيطه عمال طيبون يكنّون له عاطفة حقيقية تخفف قلق والده عليه.

ويتفاقم الصراع داخل خيمة السيرك بين الأب الانتهازي حكيم (عزيز الفاضلي) وابنه علي (عبدالنبي البنيوي)، فالأب المطبّل للسلطة لا يتردد في مدح أجهزتها الأمنية ما دامت توفر له الحماية وتؤمّن مصالحه الأنانية، في حين يرفض الابن واقع الخضوع ويسعى إلى الانعتاق من سطوة والده عبر البحث عن عمل خارج السيرك، وهنا يتجلى صراع أجيال واضح، تتداخل فيه نزعة التحرر الفردي مع واقع الانتهازية المقيت.

ويجسد حضور شخصية الغول (فوزي بنسعيدي) البعد الرمزي الأعمق للفيلم، إذ يظهر كظلٍّ أمني ثقيل يراقب عملية الاحتجاز من بعيد، جالسا في سيارته، ليجسد بذلك صورة السلطة التي ارتبطت بسنوات الرصاص، وهذا التمثيل الرمزي يفتح المجال أمام قراءة سياسية للنص، وتتجاوز الحكاية الفردية إلى نقد منظومة متكاملة، بينما تتجلى الكارثة في اللحظة التي يقتاد فيها رجال الشرطة السرية الأب إلى مكان مجهول، بعد أن وُجّهت إليه تهمة لا يد له فيها، فالرجل البسيط الذي لم ينشغل سوى بتربية ابنه وكسب قوته من السيرك، يجد نفسه فجأة في قلب معركة سياسية لا علم له بها، ليغدو ضحية التباس قاسٍ بين الفعل البريء والاتهام الجاهز.

ويتأسس هذا الالتباس على مشهد بالغ الأهمية، عندما يخرج الأب من القاعة حاملا صندوقا يظنه مليئا بملصقات دعائية للسيرك، لكنه في الحقيقة يحتوي على منشورات لحزب الشعب المعارض، وما إن يُوقفه رجال الشرطة ويُفتح الصندوق، حتى تنهال عليه الصفعات والأسئلة، حول منشورات لم يعرف عنها شيئا ولا علاقة له بها.

تبرز حبكة هذا الفضاء السينمائي المحكم، وبصور رمزية رصينة وإيقاع زمني مضبوط ومتتاليات مشاهد حية، مأساة سنوات الرصاص من خلال عيون الطفل مالك، ومشهد إطلاق سراح آلاف السجناء ومقتل الغول يُعلن نهاية حقبة سوداء، ليختم الفيلم برحلة الطفل والعاملين على عربة السيرك نحو مستقبل جديد، معبرين عن تصالح مع الماضي ورغبة في العدالة، وكل ذلك محاط بجماليات سينمائية متكاملة من أداء الممثلين، التصوير، والموسيقى التي تكشف تماهياً بين الصمت الطفولي والغضب الداخلي، لتصبح تجربة المشاهدة نافذة لفهم التاريخ المعاصر بعين بريئة ولكن واعية.