المصالح الحيوية تحافظ على متانة العلاقات المصرية – الخليجية

فصول المواجهات التي تتبناها إسرائيل في كل من لبنان وسوريا واليمن وإيران لم تنته بعد ولا نعرف خارطتها النهائية، فلا يزال بنك الأهداف الذي يحمله نتنياهو لم ينضب.

قد تفتر العلاقات بين مصر وأي دولة خليجية، وتطفو على السطح تباينات نسبية من حين إلى آخر، لكن هناك قواعد ثابتة في هذه المسألة، أبرزها أن الفتور ليس جماعيا، فربما يحدث مع دولة ما مؤقتا ثم سرعان ما يسترد عافيته، والخلاف ينصب غالبا على تفاصيل قضية معينة ولا يصل إلى مستوى القضايا الجوهرية أو يؤدي إلى صدام مباشر بعيد الأجل، وأي خلاف يظل مكتوما لفترة طويلة، ولا ينعكس على علاقات الشعوب أو يؤثر على الاقتصاد، فثمة فصل كبير بينهما وبين التقديرات السياسية.

منعت هذه القواعد حدوث انهيار سريع، ومهما زادت الخلافات أو فترت الروابط خلال السنوات الماضية، كان طريق الاحتواء ممهّدا دائما، ورأينا تباعدا في الرؤى السياسية أحيانا، بدءًا من العراق واليمن وسوريا ولبنان وإيران، وصولا إلى أمن الخليج العربي وتوابعه، وظلت العلاقة عضوية والمصالح المتبادلة لم تهتز كثيرا، حيث يمثل كل طرف أهمية حيوية للآخر، تفرض الحفاظ على حد أدنى من الخصوصية، التي تسهم بدور كبير في احتواء أي أزمة قبل انفجارها.

توجد روايات عديدة في ملفات إقليمية مختلف عليها، وأخرى تتعلق بالعلاقات الثنائية، ولم نجد مسؤولا واحدا يتحدث عن هذه أو تلك، ووصلت حد القطيعة سرا، وفي كل الأحوال لم تُذَع أوجه الخلاف على الملأ، باستثناء قطيعة مع قطر، كانت مصر فيها طرفا مشتركا مع دول خليجية أخرى (مثل السعودية والإمارات)، وفي لحظة معينة طُويت صفحتها، وجرى تجاوز مطباتها والأسباب التي أدت إليها.

عبّرت دول الخليج عن خصوصيتها لمصر في دعم اقتصادها خلال أكثر الفترات حرجا مرت بها، وهي فترة ما بعد ثورة 30 يونيو 2013 وسقوط حكم جماعة الإخوان، وعبّرت القاهرة عن دعمها لأمن الخليج مرارا، وتضامنت مع دوله في الموقف من إيران عندما كانت العلاقات متوترة معها، وعرضت إرسال قوات إليها، انطلاقا من عبارة تتردد دوما على لسان المسؤولين في القاهرة وهي أن “أمن الخليج من أمن مصر”، والعكس صحيح، ومهما كان حجم الخلاف تبقى هذه العبارة بشقيها عنصرا مهما في المعادلة الحاكمة للعلاقات بين الجانبين.

تأكدت بعض الفرضيات في الأيام الماضية، حيث قام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بزيارة مهمة للسعودية، استقبله خلالها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقام رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد بزيارة مصر، وقام أيضا رئيس وزراء قطر، وزير خارجيتها، الشيخ محمد بن عبدالرحمن، بزيارة مصر. ويكفي أن ما حملته هذه الزيارات، وغيرها، جاء لتأكيد أن المحكات الكبرى أهم وسيلة لاختبار شكل العلاقات بين مصر والخليج.

يشير هذا المنحى إلى ضرورة الحفاظ على مستوى قوي من العلاقات، في وقت تمر فيه المنطقة بتطورات عاصفة، يصعب القول معها إن هناك دولة بعيدة عن تداعياتها السلبية، فما كشفته تلميحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى" يشي بأن طموحات الرجل لا تتوقف عند حدود قطاع غزة وفلسطين عموما، وجنوب لبنان، وجنوب سوريا، أو حتى إيران التي نشبت معها حرب لمدة 12 يوما، ويمكن أن تُعاد الكرة معها، ما يضع الخليج على فوهة بركان.

تمثل هذه المعطيات أحد العراقيل التي تواجه مصر ودول الخليج، خاصة أن كلا منها سوف ينطوي على نتائج قاتمة، يصعب تحديد المدى الذي يمكن أن تصل إليه التطورات اللاحقة، وما يريد نتنياهو تحقيقه بشأن إعادة هندسة الشرق الأوسط وفقا لمصالح إسرائيل سوف يكون ضد مصالح مصر والخليج، ما يستوجب إيجاد حد معقول من التعاون والتنسيق، كي تتسنى المشاركة بفاعلية في أي ترتيبات جديدة.

كشفت تصرفات معلنة لنتنياهو أنه يملك مشروعا خطيرا، وما خفي من مكوناته قد يكون أشد خطورة، ويجب وضع رؤية لمشروع مصري – خليجي، يجابه أحلام إسرائيل التي تصاعدت عقب هزات هيكلية تعرض لها مشروع إيران الإقليمي، وتآكل عدد كبير من أذرعه، وصعوبات يواجهها المشروع التركي في المنطقة، وربما تفضي به حيرته إلى مراجعة مع إسرائيل وضبط البوصلة معها، استنادا إلى براغماتية معتادة.

تعتمد المصالح بين مصر ودول الخليج الست على تنوع العلاقات، فالبعد الإستراتيجي المتمثل في الحفاظ على علاقة قوية مع الولايات المتحدة لم يحل دون قيام الدول السبع بنسج علاقات جيدة مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، أو يمنع رفض مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تهجير سكان غزة، ومساندة خيار الدولة الفلسطينية، ويؤدي دعم هذا الخيار من قبل المجتمع الدولي إلى تقويض فرص إسرائيل في فرض سيطرتها وهيمنتها المطلقة على المنطقة.

تتحرك كل من مصر والسعودية والإمارات وقطر لدعم هذا الخيار، من منطلق عملي، يطالب بإدخال إصلاحات رئيسية على السلطة الفلسطينية، وتنحية حركة حماس لإتاحة الفرصة لغيرها لإدارة غزة، كما تنأى تصرفات الدول الأربع عن الدخول في صدام مع الإدارة الأميركية وتسعى للاستفادة من الزخم الذي وفرته سلسلة من المواقف الدولية الإيجابية بشأن حل الدولتين، والاتجاه إلى توظيف الاعترافات بدولة فلسطينية حاليا، أو لاحقا عندما تلتئم الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل نهاية سبتمبر الجاري.

لا تملك مصر ودول الخليج رفاهية الجمود والخمول والكسل، وانتظار ما تسفر عنه مخططات إسرائيل، أو مشروع ترامب حول ما يسمى بـ"ريفييرا غزة"، وتهدف المحادثات التي جرت بين قادة مصر والخليج أخيرا إلى وضع رؤية مشتركة لمنع مواجهة واقع جديد، لا أحد يعلم ما يمكن أن يصل إليه، إذا تمكن اليمين الإسرائيلي من تنفيذ أجندته كاملة في الأراضي الفلسطينية، فكل من الضفة الغربية وغزة يتعرض لهجمة عسكرية شرسة، غرضها القضاء على أي قاعدة يعتمد عليها مشروع الدولتين.

كما أن فصول المواجهات التي تتبناها إسرائيل في كل من لبنان وسوريا واليمن وإيران لم تنته بعد، ولا نعرف خارطتها النهائية، فلا يزال بنك الأهداف الذي يحمله نتنياهو لم ينضب، وكلما ظهرت بوادر تهدئة مع لبنان وسوريا انفجر لغم يعيدها إلى سيرتها الأولى، وما يجعل الرهان على استقرار البلدين صعبا أن الأوضاع الداخلية فيهما معقدة، والتحكم في جزء معتبر من مفاتيح الحل تملكه جهات خارجية، لا تقبل بالوصول إلى درجة عالية من الهدوء قبل تحقيق توازن خفي تسعى إليه.

وبموجبه ربما تتمكن إسرائيل من فرض رؤيتها على دول المنطقة، الأمر الذي بات يزعج مصر ودولا خليجية مهمة، ويفرض على الطرفين التلاقي عند فكرة محورية أو رؤية مركزية، تقلل من مستوى التحديات التي سوف تتصاعد في الفترة المقبلة.