قانون قيصر بعناوينه السياسية امتحان السلطة الانتقالية أمام واشنطن
يُمثل رفع قانون قيصر عن سوريا لحظة محورية في ديناميكيات الصراع السياسي الاقتصادي المعقدة التي رسختها عقود من العقوبات الأميركية كأداة استراتيجية للضغط على النظام السوري السابق. هذه الخطوة تتجاوز كونها تعديلاً إجرائياً مؤقتاً، لتصبح مؤشراً حاسماً على البدء بمرحلة انتقالية متعددة الطبقات، مشحونة بالتحديات الهيكلية والمخاطر الاستراتيجية. ففيها تتجلى لغة السياسة الدولية كإطار شرطي صارم، يحدد مسارات السلطة الانتقالية بدقة، ويرسم حدود قدرتها على المناورة نحو الاستقرار أو "الانهيار". ونتيجة لذلك، فإن هذه الخطوة ليست مجرد تغيير في وضع سياسي أو اقتصادي عابر، بل هي مؤشر دالّ على مرحلة جديدة متعددة الأبعاد والتحديات، إذ تتمظهر فيها لغة السياسة بشروط صارمة تحكم بشكل دقيق تحركات السلطة الانتقالية ومستقبلها.
في جوهر القرار الأميركي يكمن المنطق السياسي الذي يربط بين رفع العقوبات ووجود مسار سياسي وأمني محدد. ويعكس تصريح رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، براين ماست، بوضوح هذا الربط المباشر، حيث يتضمن رفع العقوبات فرصة نادرة للحكومة السورية لإعادة تشكيل مستقبلها وفق شروط صارمة وواضحة، تحملها المسؤولية الكاملة عن أفعالها القادمة. وهذا يعني أن رفع قانون قيصر ليس تخلياً عن الضغوط، بل آلية ضغط محسوبة تسمح بالمرونة للبيت الأبيض في إعادة فرض العقوبات إذا ما اكتُشفت ممارسات تعاكس التقدم المطلوب أمنياً وسياسياً.
بهذه الرؤية، يمكن القول إن رفع قانون قيصر يخرج من إطار تقديم منحة اقتصادية إلى النظام الجديد، ويتحول إلى أداة تحكم ديناميكية هدفها دفع النظام للامتثال لشروط سياسية وأمنية تضمن عدم العودة إلى الممارسات التي أدت إلى العقوبات سابقاً. وبهذا يمكن اعتبار هذا النوع من الأدوات السياسية تطوراً يعكس إدراكاً أمريكياً بأن الحلول أحادية الأحكام والعقوبات المطلقة لا تُثمر استقراراً، بل تدفع باتجاه تغيير منهجي يظل مراقباً ومرهوناً بإنجازات ملموسة في الواقع الميداني والسياسي.
على الجانب الآخر، يتجلى التفاؤل الشعبي والسياسي في سوريا وحولها من رفع قانون قيصر كبداية لانطلاقة اقتصادية، وكحافز لعودة الاستثمارات والانتعاش المالي، والانطلاق نحو إعادة البناء. غير أن هذا التفاؤل، رغم طبيعته الإنسانية والرغبة في التحول نحو الأفضل، يتجاهل واقعية المشهد السوري المعقد، إذ لا يمكن لأي تعافٍ اقتصادي أن يتحقق في بيئة سياسية وأمنية مشحونة بالاختلالات وعدم الاستقرار، وفي ظل عدم وجود ضمانات حقيقية لوقف النزاع أو تأمين مناخ واقعي للاستثمار. وعليه، فإن الإفراط في التبشير بفوائد اقتصادية ضخمة من رفع العقوبات قد يسرّع الإحباط والخذلان عند مواجهة المعوقات الحقيقية، ويجعل الرهان على استثمارات كبيرة من دون بيئة سياسية مستقرة رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
بهذا المعنى، يُمثل رفع قانون قيصر عملية توازن دقيقة ومعقدة بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية، حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى منح شرعية جزئية للسلطة الانتقالية في سوريا، مع الحفاظ على آليات رقابية صارمة لمنع أي تجاوزات أو انتهاكات محتملة. فهذا القانون، الذي فرض عقوبات قاسية على النظام السوري السابق، لم يكن مجرد أداة عقابية، بل كان رادعاً استراتيجياً يستهدف شبكات الاقتصاد الحربي والفساد. واليوم، فإن رفع القانون بشكل كامل يعكس تحولاً في السياسة الخارجية الأميركية نحو "الانخراط الشرطي" الذي يهدف إلى تشجيع الإصلاحات دون التنازل عن المساءلة، لكنه يبقى خطوة أولية فقط، وليس إنجازاً نهائياً يضمن الاستقرار.
الأمر الأهم الذي يجب أن يعيه المراقبون هو أن رفع قانون قيصر لا يعني تلقائياً قوة النظام الجديد أو استقرار البلاد، خاصة أن هناك أزمات بنيوية متراكمة في شرايين الدولة السورية، من اقتصاد منهك وبنى تحتية مدمرة، وتفتت اجتماعي، وعدم ثقة داخلية وخارجية، وصولاً إلى مستقبل سياسي مشوب بعدم اليقين. وبالتالي، فإن إغفال هذه الأزمات والهواجس قد يعيد إنتاج أزمة استقرار جديدة، وهو ما يستوجب موقفاً نقدياً متروياً قائماً على الموازنة بين الشعارات والإجراءات التنفيذية الحقيقية.
ويظل الخيط الرفيع بين الإشارات الاستثمارية الإيجابية، سواء من خلال عودة الشركات الغربية أو تدفقات الاستثمار الإقليمي، وواقع التنفيذ الفعلي، هو ما سيحدد مصير المرحلة القادمة في سوريا. ولا سيما أن رفع قانون قيصر ليس نهاية المطاف، بل بداية اختبار حقيقي يكشف مدى جدية التحولات السياسية، ويقيس قدرة السلطة الانتقالية على الاستجابة لشروط التشريع الدولي الصارمة، مثل إعادة هيكلة القطاع الأمني، ومكافحة الفساد، وتنفيذ عدالة انتقالية ملموسة. وهنا يبرز دور المجتمع الدولي كمراقب محايد، يتابع التزامات السلطة الجديدة بدقة، في الوقت نفسه الذي يُطالب فيه القوى المحلية باستثمار المناخ الجديد دون إثارة أزمات أمنية جديدة.
في الختام، يتجاوز رفع قانون قيصر عن سوريا كونه إجراءً إدارياً ليصبح اختباراً استراتيجياً حقيقياً للسلطة الانتقالية، يربط بين الفرص الاقتصادية المنتظرة والالتزامات السياسية والأمنية الصارمة التي حددتها واشنطن. وتعكس هذه الخطوة، بعناوينها السياسية المتعددة، تحولاً في السياسة الأميركية نحو "الانخراط الشرطي" الديناميكي، الذي يمنح شرعية جزئية مقابل رقابة دقيقة وآليات لإعادة فرض العقوبات في حال الانتهاكات، لكنه لا يمحو الأزمات البنيوية السورية العميقة. وهذا يعني أن الإفراط في التفاؤل الشعبي أو السياسي بهذه الخطوة كـ"منحة اقتصادية" قد يؤدي إلى خيبة أمل جماعية، إذا لم تُواجه هذه التحديات بإصلاحات جذرية، محولاً الفرصة إلى دوامة استقرار زائف جديدة.
وأمام هذا الامتحان، تتحمل السلطة الانتقالية مسؤولية مزدوجة تتجلى داخلياً في بناء جسور الثقة مع السوريين عبر إصلاحات ملموسة تعيد صياغة الهوية الوطنية والتلاحم الاجتماعي، وخارجياً عبر إثبات قدرتها على التكيف مع جملة الاشتراطات الأميركية. وتوازياً مع ذلك، يُطلب من المجتمع الدولي أيضاً أن يتحول من مراقب صارم إلى شريك داعم، يقدم حوافز اقتصادية مقابل الإنجازات لتجنب عزلة جديدة. وفي العمق، فإن النجاح ليس مضموناً، لكنه ممكن إذا تحولت الشعارات إلى واقع. فالسلطة أمام تساؤل جوهري: هل ستُثبت قدرتها على بناء دولة قوية مستقلة، أم ستظل رهينة لعناوين سياسية خارجية؟ الإجابة ستُكتب في ساحة التنفيذ الميداني، لا في صالات التصريحات الدبلوماسية، وستحدد مسار سوريا نحو مستقبل يستحقه شعبها.