مزيد من الانخراط المصري في السودان
القاهرة - بدت تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي بشأن السودان خلال لقائه مع المسؤولة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كالا كالاس بالقاهرة، الخميس، حادة دبلوماسيا وتحمل مضامين سياسية ورسائل إلى من يهمهم الأمر. فقد شدد الوزير المصري على أن وحدة السودان خط أحمر، وثمّن أهمية الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية وكل المؤسسات الوطنية، ورفض أي كيانات موازية.
جاءت الحدة من الرغبة في توجيه رسالة إلى الدول الأوروبية وموقفها الرمادي من السودان، والذي تقترب حربه من دخولها العام الرابع في أبريل المقبل، ولم تشهد الأزمة فيه حلا أوتسوية سياسية مقنعة.
تريد القاهرة حث الاتحاد الأوروبي على مزيد من الاهتمام بالأزمة في السودان، وعدم قصر مقاربات دوله على البعد الإنساني. فهناك أبعاد سياسية وأمنية وعسكرية مهمة، وهناك بعد يتعلق بعدم استبعاد تزايد الهجرات غير الشرعية الناجمة عن انتشار النزاعات والصراعات إلى دول جنوب أوروبا، ويزيدها الانفجار في السودان مرارة.
تزامنت الحدة مع تطورات مزعجة لمصر حدثت في أرض الصومال عقب اعتراف إسرائيل بإستقلالها رسميا، وزيارة وزير خارجيتها جدعون ساعر لهيرغيسا أخيرا، بما يتناقض مع الرؤية المصرية الساعية للحفاظ على وحدة الصومال، وعدم المساس بالحدود التاريخية للدول، والخوف من تكرار التجربة في السودان عقب انسداد أفق حل الأزمة المحتدمة، واستمرار الحرب بين قوات الجيش والدعم السريع، وتشكيل الأخيرة تحالفا من قوى مختلفة، والإعلان عن مجلس رئاسي وحكومة تتخذ من نيالا عاصمة لها. وهي تحركات تمثل قلقا متناميا لمصر، خشية تكريس ظاهرة الكيانات الموازية في بعض دول الجوار، كمقدمة لخطوات نحو الانفصال.
تطرق حديث وزير الخارجية المصري مع مسؤولة الاتحاد الأوروبي أيضا إلى عدد من القضايا الإقليمية، والتي أرادت القاهرة توضيح الموقف منها. واحتل السودان خصوصية كبيرة لما يمثله من أهمية للأمن القومي المصري، وما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة من مفاجآت صادمة، ففي ظل الانسداد الحاصل في التسوية، ومواصلة الحرب عند مستويات محكومة نسبيا، وارتياح كل جانب لما يقع تحت سيطرته من مناطق ومحاولته الحفاظ على الخريطة الراهنة وصعوبة الدخول في معارك قاصمة، يمكن أن يظهر واقع مريح للطرفين المتحاربين يقود إلى التقسيم ويؤدي للتشرذم.
يتشكل السودان من موزاييك اجتماعي متشابك ومعقد، إذا انفلت من عقاله سوف يفضي إلى تفتيت جزء معتبر من الكتلة الصلبة التي حافظت على وحدته لعقود طويلة، الأمر الذي جعل مصر تسارع انخراطها في الأزمة، وعدم الارتياح لما يطرح من مبادرات مؤقتة. فالقاهرة منفتحة على التعاون مع شركائها في اللجنة الرباعية، المكونة من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، والخاصة بالسودان.
وتتحرك مصر في فضاءات ثنائية وإقليمية مختلفة، على أمل منع دخول السودان مرحلة خطيرة من الإنهيار، الذي يهدد دول أخرى مجاورة. فالمشهد العام الذي يعيشه السودان حاليا من اقتتال وانقسام وارتباك، يحمل داخله سيناريوهات غامضة.
تتجه التصورات المصرية نحو تبني تحركات عملياتية منفردة للبحث عن حلول عاجلة. فالحكومة الموازية في نيالا أعلنت عن إنشاء بنك مركزي ومنح صلاحيات كبيرة لوزير ماليتها، بما يشير إلى السعي نحو تبني طريق بعيد تماما عن الحكومة التي يديرها الجيش السوداني من بورتسودان، بعد أن أصبح الاندماج صعبا، والحسم العسكري مستحيلا، وتواجه التحركات الرامية لإيجاد تسوية منتجة عراقيل متعددة، بسبب تباعد رؤى القوى المحلية، وتنافر مصالح الجهات الخارجية، التي يجد بعضها ارتياحا في الحالة التي وصل إليها السودان، واستعدادا للتعامل معها فترة طويلة.
يعتب كثيرون على موقف الحكومة المصرية من المؤسسة العسكرية في السودان، بحكم أن الأخيرة تضم عناصر إسلامية، ونجحت جماعة الإخوان في توسيع اختراقها، بينما تتبنى القاهرة رؤية صارمة ضد تيار الإسلام السياسي وترفض وجوده في السلطة والتحكم في مفاصلها، ما يوحي بتناقض فاضح. إذ كيف تدعم مصر الجيش السوداني وكانت رأس حربة في محاربة الإخوان والتنظيمات المتطرفة في المنطقة؟
من المؤكد أن القاهرة تعلم تفاصيل خريطة الحركة الإسلامية ومكوناتها الخفية في السودان، وحجم نفوذها داخل المؤسسة العسكرية، لكن أيضا تعلم أن إنهيار الجيش في أي بلد يقود إلى تداعيات وخيمة. وكل الدول العربية التي انهارت جيوشها دخلت نفقا مظلما. حدث ذلك في الصومال والعراق واليمن وسوريا وليبيا. ولم تنجح جلها في تجميع القوى العسكرية المتنافرة حول أجندة وطنية واحدة.
من السهولة أن يتكرر سيناريو إنهيار الجيوش في السودان، وتصبح النتيجة أشد قسوة، لأن هناك بضعة جيوش كبيرة منتشرة في ربوعه، وحركات مسلحة اكتسبت خبرة في الاقتتال، وجماعات تملك ذخيرة وفيرة ومعدات عسكرية متقدمة.
ولا يقل الخط الأحمر الذي رسمته مصر في السودان عما رسمته من قبل في كل من قطاع غزة بشأن رفض تهجير سكانها، وليبيا عندما لوحت بالتدخل عسكريا إذا جرى تجاوز خط سرت- الجفرة من جانب تركيا. وكلاهما لم يتم تجاوزه، وما شجع القاهرة على تحديد رؤيتها بالنسبة للسودان تيقنها من أن الأوضاع مقبلة على سخونة جديدة، يمكن أن تقود البلاد إلى مرحلة غليان تصعب السيطرة على ارتداداتها الإقليمية.
مع وجود ظلال من التلامس بين ليبيا والسودان سيكون الأمر قاسيا لمصر، وما لم تتمكن من وأد المظاهر السلبية مبكرا ستجد نفسها أمام خيارت إستراتيجية حرجة، وجاء تلويحها أو رسمها خطا جديدا في السودان من رحم خبرتها في التعامل مع الصراعات المركبة، وامتلاكها قدرات تساعدها على الحسم، علاوة على انتشار الفوضى في التعامل مع النزاعات ولجوء بعض القوى إلى سلاح القوة من دون اعتداد بالقانون الدولي أو مراعاة حسابات قوى أخرى ترفض التدخلات الخارجية.
وضعت الطريقة التي يتعامل بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الأزمات الدولية (آخرها في فنزويلا) نهجا جديدا في العالم، يشجع بعض القوى على حل مشكلاتها عنوة، والعصف بالمنظمات الدولية التي أرست قواعد التفاعلات بين الدول، ونظمت الأطر القانونية في مسألة التدخلات بالقوة.
لن يكون السودان بعيدا عن هذه المعادلة التي بدأ نطاقها يتسع، ويمكن أن يؤثر على مصر أو جهة ترى تهديدا لمصالحها أو تعتقد أن أمنها القومي يواجه خطرا داهما.
قد نرى مزيدا من الانخراط المصري الخشن في السودان. فالتمسك بالصبر الإستراتيجي والمرونة الدبلوماسية والتحركات السياسية لآخر نفس من قبل القاهرة لم يعد مجديا، وهي ترى بعض القوى تجيد فرض أحكامها وتضرب بالقانون الدولي عرض الحائط، في وقت بدأ فيه السودان يتعرض لاهتزازات تؤثر على الأمن القومي المصري، حيث تربط الحدود الجغرافية الممتدة بين البلدين مسافات طويلة، ويمثل البحر الأحمر رابطة حيوية بينهما، ويعد نهر النيل شريانا يدمج بين المصالح المشتركة. وكلها أطر تفرض على القاهرة عدم التفريط في وحدة وتماسك السودان.