"رهان الضرورة الوطنية" اتفاق 10 آذار كنقطة تحول استراتيجي وطني

اتفاق 10 آذار يُعد ضرورة وطنية لا بد من تطبيقها واقعًا، فهو يعيد صياغة الديناميات السورية بتحويل الصراع من النموذج الإشكالي المعقد إلى النموذج الصفري.

في عمق عناوين الحدث السوري ثمة الكثير من التعقيدات التي ترتبط حكمًا بالطموحات والمصالح الإقليمية والدولية في سوريا الجديدة، وجراء هذا السياق المعقد بتحديات وطنية كبيرة، يبرز اتفاق 10 آذار بين السلطة الجديدة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية كنقطة محورية لإعادة ترتيب الديناميات الداخلية نحو مسار الاستقرار الدائم، إذ يتجاوز هذا الاتفاق في جوهره الإطار التقليدي للهدنات العابرة ليصبح أداة استراتيجية تعيد صياغة توازن القوى، محولًا الخصومات إلى شراكات مشروطة بضمانات أمنية متبادلة تمنع التصعيد غير المتحكم به.

بهذا المعنى، يكمن جوهر اتفاق 10 آذار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية في تجاوزه حدود وقف إطلاق النار التقليدي، ليصبح إطارًا استراتيجيًا يعيد ترتيب أوراق الديناميات السورية نحو استقرار دائم، إذ يعتمد على توازن قوى مدروس يمنع عودة التصعيد ويفتح أبوابًا لإعادة بناء الدولة.

يبرز الاتفاق في هذا الإطار كمحطة تحولية، إن أمكن التعبير، لأنه لا يقتصر على تجميد الاشتباكات العسكرية، بل يعالج جذور الصراع من خلال آليات تدريجية لإعادة توزيع السلطة في سورية ووضعها ضمن إطار تشاركي. وفي سياق الديناميات السورية المعقدة، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية مع التوترات الداخلية، يعمل الاتفاق وفق هذا المنظور كـ"صمام أمان" يحول الطاقة التدميرية بمعناها العسكري إلى مسار إنتاجي تشاركي بالمعنى السياسي. وبهذا يتجاوز الاتفاق الجانب العسكري ليمتد إلى بناء ثقة متبادلة بين الأطراف، من خلال ضمانات أمنية متبادلة تعمل في سياق دون تحول أي طرف إلى تهديد وجودي للآخر، مما يخلق نافذة زمنية للحوار السياسي الحقيقي.

بهذا المعنى، فإن عمق مضمون اتفاق 10 آذار تكمن قوته في تصميمه كإطار متعدد الطبقات يعيد صياغة التوازنات السورية؛ فهو ليس مجرد هدنة مؤقتة، بل خطة استراتيجية تتضمن مراحل مترابطة يمكن إيجازها بالآتي: أولًا، فصل القوى ذات الطابع العسكري، مما يمنع الاحتكاكات العرضية ويقلل من مخاطر التصعيد غير المتعمد.
ثانيًا، آليات مراقبة مشتركة تجمع بين الجهات السورية والضامنين الإقليميين، تضمن الامتثال دون تدخل خارجي مباشر يثير شكوكًا.

بين هذا وذاك، فإن التصميم الذي يعكسه اتفاق 10 آذار يترجم الفهم العميق لطبيعة الصراع السوري، حيث يتجاوز الاتفاق التركيز على الأسلحة ليصل إلى إعادة تعريف الهويات السياسية، محولًا الخصوم إلى شركاء في مشروع وطني. وبهذا يبرز الاتفاق كأداة لإعادة بناء الثقة، خاصة في ظل وجود الكثير من نقاط الضعف في الديناميات السورية. والحديث عن إعادة الثقة يعني في العمق حوارًا إلزاميًا بين القوى السورية حول قضايا أساسية مثل اللامركزية والعدالة الانتقالية، وهذا يفتح بابًا لإعادة صياغة الدستور السوري المستقبلي.

هنا لا يقتصر الدور على الجانب العسكري، بل يمتد إلى أساسيات الاستقرار في سورية، من خلال تسهيل تدفقات إنسانية، إن صح التعبير، وإعادة إعمار محدودة في المناطق الهشة، مما يربط السلام بالرفاه اليومي ويقلل من جاذبية التطرف.

اتفاق 10 آذار يُعد ضرورة وطنية لا بد من تطبيقها واقعًا، فهو يعيد صياغة الديناميات السورية بتحويل الصراع من النموذج الإشكالي المعقد إلى النموذج الصفري الذي يرتكز على نموذج تعاوني يعتمد على المصالح المشتركة. لكن في ظل التعقيدات الإقليمية، حيث تتقاطع نفوذ القوى الإقليمية والدولية كالولايات المتحدة وتركيا خاصة، إضافة إلى إسرائيل وروسيا، يعمل الاتفاق كمشروع مشترك يُجبر هذه القوى على التنازل عن أجنداتها الجزئية لصالح استقرار سورية أولًا، يليه استقرار إقليمي ثانيًا.

وفي البعد الأول، يبدو واضحًا أن هذا الاتفاق تمت هندسته ليمنح القوى المتنافسة مساحة لإعادة تعريف هوياتها خارج إطار "النصر أو الهزيمة"، مما يمهد لتحالفات جديدة ترتكز على الاقتصاد والأمن بدلًا من الإيديولوجيا.

الاستقرار الدائم، ربطًا بمضامين الاتفاق، ليس وهمًا هنا؛ إذ يعتمد الاتفاق على آليات سياسية دقيقة، بمعنى تشكيل لجان مشتركة لفض النزاعات المحلية، تمنع ذهاب الخلافات الفرعية إلى حرب شاملة. وهذا يعيد رسم خريطة السلطة السورية نحو نموذج اتحادي مرن يحافظ على الوحدة الوطنية مع الاعتراف بالتنوع، ويفتح آفاقًا للعدالة الانتقالية التي تعالج جراح الماضي دون الانتقام. ونتيجة لذلك، يمثل اتفاق 10 آذار رهانًا استراتيجيًا يحول سوريا من ساحة صراع إلى نموذج للسلام المحلي الإقليمي، بشرط التزام الأطراف بإرادة الاستمرارية.

صفوة ما سبق، يستمد اتفاق 10 آذار قوته الأساسية من فهم عميق لطبيعة الدولة السورية الهشّة، التي تتسم بتآكل الهيكل المركزي تحت وطأة عقود من الاستبداد والحرب، مما يجعل الاتفاق، ضمن عناوينه الرئيسية وبنوده التفصيلية، محفزًا للحوار الإلزامي حول قضايا جوهرية مثل اللامركزية والعدالة الانتقالية.

وهنا يكمن جوهر الاتفاق؛ فالدولة السورية ليست مجرد كيان إداري متصدع، بل هي نسيج اجتماعي معقد يعاني من فقدان الثقة المتبادلة بين مكوناته، حيث تتحول اللامركزية من مجرد صيغة إدارية إلى آلية لتوزيع السلطة تحول التوترات المحلية إلى طاقة بناءة، بينما تضمن العدالة الانتقالية في هذا السياق مواجهة الجراح الجماعية دون إثارة دوامات انتقامية جديدة. وبهذا يفتح الاتفاق نافذة حقيقية لإعادة بناء الهوية الوطنية المشتركة، ليس كشعارات جوفاء، بل كمشروع وطني يعيد صياغة الهوية السورية كمفهوم يتجاوز الانقسامات الطائفية، من خلال ربط الذاكرة الجماعية بالمستقبل السوري المشترك.

بقي أن نقول إن اتفاق 10 آذار ليس نهاية الصراع السوري فحسب، بل بداية مرحلة انتقالية تحدد ما إذا كانت سوريا قادرة على النهوض من رمادها كدولة موحدة، أم ستظل رهينة لدورات الضعف المتكررة والمصالح الإقليمية. فالتحدي الآن يكمن في ترجمة هذا الإطار العميق لاتفاق 10 آذار إلى ممارسات وطنية يومية، ليصبح نموذجًا لكيفية تحول الهشاشة السورية إلى مرونة استراتيجية ضمن إطار وطني.