ثلاثية الردع الخليجي: التضامن، التماسك والذكاء

طريق أمن الخليج يبدأ بخطوة سياسية جريئة نحو تفعيل مؤسسات التعاون الدفاعي والأمني القائمة.

لم تعد الأخطار التي تحوم حول دول الخليج تأتي من جهة واحدة أو بطريقة يمكن توقعها بسهولة، فالتوتر الحالي بين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد مجرد صراع بعيد، بل أصبح تهديداً مباشراً يمس أمن الخليج كله، كما رأينا في الهجوم على قاعدة العديد في قطر أثناء حرب الـ12 يومًا.

ويتفق العقلاء على أن الاستعداد لهذه التحديات لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة للأمن والبقاء، والاستعداد يعني التقدم نحو بناء دفاع خليجي متكامل ومتعدد الجوانب، لا يعتمد فقط على شراء الأسلحة المتطورة، بل يقوم أيضًا على ثلاثة أسس رئيسية: التضامن الخليجي، والتماسك الداخلي، وتطوير الذكاء الاستراتيجي والبحث العلمي.

1 التضامن الخليجي: يكشف الواقع أن أي خطر يهدد دولة خليجية واحدة سيؤثر بالضرورة على جيرانها، لأن مصالح هذه الدول ومستقبلها وحتى ثقافتها مترابطة بشكل عميق، الأمر الذي يستوجب التحرر من فكرة "كل دولة تدافع عن نفسها" إلى فكرة "الدفاع المشترك". وقد علمتنا تجارب الماضي (1990 و2003) أن العمل الجماعي يزيد من قوة المفاوض الخليجي.

وهذا التعاون لا يكتمل دون تحسين البيئة الأمنية في الجوار الإقليمي، وما لا يمكن التنصل منه أن أمن الخليج مرتبط باستقرار جيرانه. لذلك، يجب على دول الخليج أن تبذل جهودًا أكبر لتحسين العلاقات وإدارة الخلافات مع دول مثل العراق واليمن وإيران، لأن الاستقرار في هذه الدول هو جزء من أمن الخليج نفسه.

إدارة هذه العلاقة المعقدة تتطلب دبلوماسية نشطة وحكيمة وواقعية، تهدف إلى تقليل مساحات الصراع وبناء قنوات اتصال واضحة تخدم الاستقرار الإقليمي، انطلاقًا من أن الحرب مع الجار ليست في مصلحة أي طرف.

2 التماسك الداخلي: قوة الدولة أثناء الأزمات لا تعتمد فقط على جيشها واستعداداتها الأمنية والعسكرية، وإنما على مدى تلاحم شعبها وثقته بمؤسساته، وأن التماسك الداخلي هو الذي يخلق "مناعة" ضد محاولات إثارة الفرقة أو زعزعة الاستقرار من الداخل.

في هذا المجال تحديدًا يمكن الاستفادة من تجربة دولة مثل سنغافورة، والتي تتشابه مع دول الخليج في صغر حجمها، واعتمادها على العالم الخارجي وتنوع سكانها؛ حيث نجحت سنغافورة في جعل كل مواطن وكل قطاع اقتصادي يشعر أنه جزء من خط الدفاع عن البلاد. ويتطلب تحقيق هذا الهدف قياس مستوى التماسك المجتمعي ومعالجة نقاط الضعف بشكل استباقي.

3 تطوير الذكاء الاستراتيجي والبحث العلمي: تشير الأرقام إلى أن إنفاق دول الخليج على البحث العلمي والتطوير منخفض جدًا مقارنة بمتوسط العالم، ويعني هذا أن ثروة الخليج المالية لم تتحول بعد إلى قوة في إنتاج المعرفة والأفكار الاستراتيجية الأصيلة.

ومن المقلق أن أولويات البحث في دول الخليج مشتتة، وتميل في السنوات الأخيرة إلى الاختزال والبحث عن الأفكار المثيرة التي تحقق مشاهدات أكبر، حتى إن بعض كبار المحللين في الخليج عزفوا عن قاعات البحث وانشغلوا في التسابق على الفوز بـ"التغريدة الأكثر انتشارًا".

وفي الأشهر الأخيرة، انتشرت أيضًا ظاهرة تحليلات الذكاء الاصطناعي السطحية، والتي يعتمد فيها المحللون والكتاب على برامج الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى سريع دون عمق.

هذا الواقع يفرض على المؤسسات البحثية والأكاديمية والمراكز الفكرية مراجعة أولوياتها، وتحفيز الباحثين على تقديم معرفة عميقة تليق بتحديات المرحلة، بدلًا من الانجرار وراء موجة التحليلات السريعة والشو الإعلامي.

يبدأ طريق "أمن الخليج" بخطوة سياسية جريئة نحو تفعيل مؤسسات التعاون الدفاعي والأمني القائمة، وخطوة مجتمعية لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وخطوة استثمارية حاسمة، لعلها الأهم، في التعليم والبحث العلمي والاستراتيجي، لصناعة مستقبل خليجي يصنع أمنه ويحميه بقوته الذاتية لا بالاعتماد على الآخر.