الحدث والذاكرة في 'تقرير إلى الهدهد'
ينمو التخييل مثل قَدر متشابك مع تفاصيل صغيرة .. في ما يكتبه شعيب حليفي. وقد أعادت روايته الأخيرة "تقرير إلى الهدهد" تلك المقدرة الفنية على تجديد التخييل في علاقته بالتفاصيل والأحداث، وتلك سمة في كتابات شعيب حليفي، فقد اختار حدث آخر ثورة شعبية بالمغرب عرفتها جبال الأطلس المتوسط ومناطق أخرى خلفية في مارس سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين. ولعل ما يجعل الرواية غنية بأبعادها الجمالية والتجديدية هو في علاقة الكتابة الروائية بالذاكرة أو التواريخ المنسية، في لغتها التي ينحتها الكاتب مع معجم خاص بها، وفي كيفية بناء النص الروائي وشكله الفريد من ثلاثة فصول وعدد من المشاهد، وتنوع الخط بين العادي والمائل والمضغوط، في حكاية يحمل ثقلها آدم القدميري المنحدر من مدينة أزمور وعوالمها التي ستقوده عبر الحلم والتفاصيل اليومية والمصادفات إلى شبكة أصبح فيها الزمن قطعة واحدة، وهو ما ستكشف عنه الرواية في آخر صفحة من صفحاتها حينما يقول (آدم القدميري) بأنه ليس من هواة ابتزاز الحقيقة، لأن الحقائق هي رهائن دائمة للخيال العظيم (ص:201)، ثم يقول وقد قرر فتح عينيه:''يكفيني أنني عشت كل شيء بإحساس العابد وروح الثائر، سواء كان حلما أم حقيقة".
في سياق تشعب الحكاية، سيجد الكاتب سبيلا في جعل عبد الله العروي شخصية لمنح الحدث بعده الثوري والثقافي، وهو ما سأتوقف عنده. وقد جاءت أول إشارة ممهدة في الصفحات الأولى من الرواية (ص:16) في جملة عابرة أشار فيها السارد أنه أنجز بحثا للإجازة في التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط تحت إشراف عبد الله العروي في موضوع حول أحداث مولاي بوعزة. ثم يعود في المشهد الثاني من الفصل الأول (ص: 35) للتفصيل في هذا البحث وعلاقته بالرواية، فيفتتحه بجملتين تختزلان كل الدلالات المختبئة:
[القدَر مثل غيب في سُبات؛ لا أحد يعرف موعد استفاقته وكيف!
حياتنا رهينة تفاصيل لامرئية يغزلها الزمن بخيوط وأسباب ومصادفات، والزمن هو الساحر الكبير الذي يُمتعنا ويخدعنا، يمنحنا المفاجآت بلا حساب، وفي النهاية .. يسرق منا كل شيء!]
ثم يسرد، بعد ذلك، تفاصيل كل ذلك والذي أورد فيه صورة عبد الله العروي أستاذا ومؤرخا ومفكرا يؤسس (إلى جانب محمد سبيلا وكمال عبد اللطيف) صيغة أخرى للتفكير النقدي وبناء التاريخ ضمن كتابة سردية تقوم على مساءلة العلاقة الملتبسة بين الحدث والذاكرة، من خلال تجربة راو يجد نفسه، وهو يظن أنه ينجز بحثا جامعيا في التاريخ، منخرطا في اختبار وجودي ومعرفي يعري آليات النسيان والقمع التي تحيط بالأحداث المنسية من تاريخ المغرب المعاصر، وفي مقدمتها ثورة مولاي بوعزة بالأطلس المتوسط. منذ الجملة الأولى، يربط السارد مساره الشخصي بالمعرفة التاريخية حين يقول:"حينما انتقلتُ من مدينتي الصغيرة أزمور إلى الرباط العاصمة لمتابعة دراستي الجامعية في شعبة التاريخ… وأنا أمنّي نفسي بإعداد بحث التخرّج حول الكتابات التاريخية لعبد الله العروي"، فيكشف عن تمثلٍ مبكر للمؤرخ بوصفه نموذجا فكريا ورمزا للانتماء، خاصة وأن العروي "ابن مدينتي وأستاذ بنفس الشعبة''؛ غير أن هذا الحلم البسيط سرعان ما سيتحول إلى مسار إشكالي، حين تنتقل العلاقة من الإعجاب إلى الاختبار.
في اللقاء الأول مع عبد الله العروي، لا يقدّم الأستاذ مجرد توجيهات بيداغوجية، بل يؤسس أفقا فكريا واضحا حين تحدّث إلى طلبته حوالي ساعة أو أكثر، حول محور الحدث والذاكرة في التاريخ المعاصر. هنا يتبدى العروي مفكرا لا يفصل بين الوقائع التاريخية وطريقة استحضارها، ولا بين الحدث كما وقع والذاكرة كما تعيد تشكيله.
يروي آدم القدميري قائلا: "في قاعة ضيقة جانبية قرب المكتبة، كنتُ قريبا من الأستاذ حينما أخرج من محفظته دفترا صغيرا، فتحه على صفحة بيضاء، نظر إليها مليا ثم رفع رأسه وتحدّث إلينا حوالي ساعة أو أكثر، حول محور الحدث والذاكرة في التاريخ المعاصر. وحين انتهى، عاد ونظر إلى بياض الصفحة، ثم قلبها فلمحتُ صفحة جديدة مكتوب عليها، بشكل عمودي، أسماء الطلبة وعناوين المواضيع المقترحة، فاستعجلتُ الاستئذان في الكلام قبل أن يأخذ الكلمة من جديد، فأومأ برأسه مبتسما بحذر وهو ينظر إليّ، وقلتُ بأنني أقترح موضوع بحثي حول الذاكرة في كتابات عبد الله العروي. تحوّلت نظرته نحوي إلى شزر وهو يرفع يده في إشارة منه كي أتوقف عن استكمال الكلام، ثم عاد ينظر إلى الصفحة التي أمامه كأنه لم يسمع شيئا، بعد ذلك سرد علينا المواضيع وتحدث نحو ساعتين عن المنهج، وكان من حين لآخر يتوقف عند موضوع من المواضيع، والتي كانت كلها حول أحداث وقائعها ما بعد استقلال المغرب، انتفاضات شعبية وانقلابات وثورات، بدءا من انتفاضة الريف في نهاية الخمسينات وانتهاءً بانتفاضات الثمانينات بالدارالبيضاء وفاس، وقد كان من نصيبي موضوع ثورة مجهضة جرت أحداثها يوم ثالث مارس 1973 بمولاي بوعزة، ناحية خنيفرة بالأطلس المتوسط، قبل ثلاث عشرة سنة، كنتُ قد سمعتُ بها ضمن باقي الأحداث التي وقعت في الصخيرات والرباط، وهي التي شكلت، بدورها، موضوعات لبحوث زملائي"(ص: 36).
منذ هذه اللحظة، يبدأ الانتقال من التاريخ المكتوب إلى التاريخ المعاش. فالسارد يعترف: أنه لم يجد، في البداية أي مرجع، ويكتشف أن الوثيقة الرسمية عاجزة عن الإحاطة بالحدث، وأن أغلب المشاركين "قد تم إعدامهم" أو "يقضون عقوبة السجن المؤبد"، لتبقى الذاكرة وحدها الأفق الممكن للفهم. حين يطلب منه العروي أن يترك كل ما جمعه، ويبدأ من جديد، موضحا أن "المرحلة الأولى هي فهم السياق وطبيعة الحدث وملابساته التي ستظل ناقصة ونسبية"، يكون قد حسم الموقف: التاريخ لا يُستكمل إلا بالذاكرة، والحدث لا يُفهم إلا من خلال آثاره في البشر.
وفي مشهد آخر سينتقل السارد من أجل اختبار بحثه انطلاقا من الذاكرة الجريحة في مولاي بوعزة، ينفتح السرد على عالم من الحكايات الشفوية التي تقلب يقينه المعرفي: "تمكنتُ من الاتصال بأكثر من ست وأربعين امرأة سمعتُ منهن ما قلبَ حياتي". هنا تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، وإلى خطاب نسوي صامت صبر على الفاجعة دون أن يجد طريقه إلى الكتابة الرسمية. مشاهد القتل، والتشريد، والاختباء في الكهوف، كما في حكاية الطفل الذي نجا لأنه "اختبأ داخل فرن طيني مهجور" بينما "ماتوا جميعا اختناقا وجوعا"، تجعل الحدث يتجاوز طابعه السياسي ليغدو مأساة إنسانية شاملة. لذلك يصل السارد إلى خلاصة صادمة: "كل العائلات التي صادفتها لها علاقة بما جرى"، ليجيبه حمّو التدلاوي بحزن كثيف: "إنها تراجيديا كاملة تنزف دما وأنينا لا نعرف لها نهاية".
يصف السارد هذا المشهد قائلا: ما وقع في فجر اليوم الذي نويت السفر فيه، سيُوقف كل شيء. طرق خفيف، تلته ضربات عنيفة متتالية على الباب الخشبي، ثم سمعت حمّو الذي فتح الباب وهو يصرخ في وجههم، فقمتُ من فراشي والتحقت به لأجد ثلاثة من رجال الدرك وثلاثة مخازنية من القوات المساعدة، جاؤوا للقبض عليّ حيث قادوني إلى مخفر الدرك ورموني داخل غرفة صغيرة باردة ومظلمة، بقيت فيها اليوم كله، وحينما هبط الظلام جاءني مخزني بخبزة وثلاث بيضات، وبدا متعاطفا معي، من خلال معاملته وكلامه الطيب.
قضيت الليلة صاحيا جرّاء الرائحة الكريهة داخل الغرفة والتي جعلت عينيّ تتورمان سريعا وسعالي يجرح حنجرتي، كما لم تتوقف البراغيث السريعة والمتقافزة عن قرصها لي في الساقين وأنحاء أخرى من جسمي. وسأفهم في الصباح أنهم قصدوا أن أعيش ليلة واحدة، بدون تعذيب جسدي.. حتى أكون جاهزا للإنصات إلى ما سيقولونه لي.
في الساعة الثامنة صباحا، دخل ثلاثة من القوات المساعدة وأنا جالس القرفصاء، رأسي فوق ركبتيّ لا أفكر في شيء إلا في ما أوقعني في هذا البحث. سحبوني من الزنزانة إلى غرفة أخرى وجرّدوني من كل ملابسي ثم قاموا برشّ جسمي بمبيد حشري من غبار أبيض، وكذلك فعلوا بملابسي التي غطسوها في سطل ماء حرارته مرتفعة، بعدها أخدوا السطل والملابس وخرجوا. مرت ساعة ثم عادوا وفي أيديهم خرطوم بلاستيكي رمادي اللون، وشرعوا يرشّون جسمي العاري بالماء البارد، وأنا قابع في زاوية الغرفة، قبل أن يغلب عليّ تدفق الماء مثل السوط، فسقطت أتلوى وهم يرطنون، ولمّا انتهوا تقدم أحدهم حاملا قطعة قماش صوفي رماها لي فجفّفتُ بها جسمي وأنا أرتعد، وتركوني ولم يعودوا إلا بعد ساعتين يحملان ملابسي شبه المجففة، ارتديتها ثم أخذوني إلى مكتب قائد الدرك بلباسه الرسمي، وكان على يمينه كاتب بلباس مدني يجلس أمام آلة كاتبة سوداء، صغيرة الحجم من نوع أوليفيتي المحمولة، يحملق في ما يجري دون أن يكتب شيئا مما دار بيننا.
قال لي بكلام حاسم إن الأوامر التي توصل بها من المسؤولين، تشير إلى التأديب الكامل للمسمى آدم القدميري، ثُم إعداد محضر بالأدلة الدامغة وشهادات الشهود التي تفيد أنه تسلل للموسم السنوي لنشر الفكر الهدّام والتحريض. ثم عاد يسألني عن عبد الله العروي وأفكاره، وقد كانت فترة الاعتقال كافية لتمنحني شجاعة غريبة وصفاءً ذهنيا لم أكن أفكر فيه من قبل، فقد كان يبحث عن دليل يؤكد أن أستاذي المشرف هو من أرسلني وحرّضني، لكنني أنكرتُ وصرّحتُ بأنني أنا من اخترتُ الموضوع لأننا ندرس بالجامعة محور الذاكرة، فبدا أنه شبه مقتنع، لإيمانه أن كل طلبة الجامعة ينتمون إلى اليسار، وصنّفني سريعا ضمن الجهة الراديكالية الماركسية التي تريد تكرار ما جرى من أحداث.
أعجبتني استنتاجاته التي تتوالد سريعا، فانسقتُ معها بحذر وكأنني أنتقم من القذارة التي رموني فيها يوما وليلة، ومن تلك البراغيث المتقافزة، وفجأة أصبحت أسمع كلامه ثقيلا ومضببا ثم تملّكتني إغماءة راودتني في البداية وسرعان ما أطبقت عليّ، فسقطتُ الأرض التي حملتني بحب غريب.
استفقتُ داخل غرفة بمستوصف صغير قريب من المركز المحلي للدرك، وبجانبي حمّو التّدْلاوي. نظرتُ إليه وهو يسألني إن كنتُ قادرا على القيام والمشي إلى بيته، فلم أتردد رغم الصداع الذي يطرق رأسي بقوة، وقد فهمتُ أني حر. وسيحكي لي بأنني حينما سقطت مغشيا عليّ، وكانوا على علم بأن حمّو وعدد من رفاقه لم يبارحوا المركز حيث كنت محتجزا، حملوني سريعا إلى المستوصف وأخذوا حمّو الذي أجبروه على توقيع ورقة تفيد أنه تسلمني حيّا مُعافى، وكانوا يخشون وفاتي، ولمّا تمّ إسعافي بحقنة الإبينفرين التي أنقذت حياتي، كان القائد قد أخبر حمّو بأن أعود من حيث أتيت صباح يوم غد وأنسى كل ما وقع(ص: 40 – 41).
هكذا تنكشف البنية العميقة للنص: التاريخ، والذاكرة، والسلطة، والمعرفة، كلها متشابكة، ولا شيء يقع خارج هذا التشابك.
بهذا المعنى، لا يكتب شعيب حليفي عن حدث منسي فقط، بل عن شروط نسيانه، وعن الثمن الذي يدفعه من يحاول استعادته. ويغدو عبد الله العروي في النص شخصية مفصلية، لا باعتباره مؤرخا للأحداث، وإنما مفكرا يدرك أن أخطر ما في التاريخ ليس ما وقع، بل ما يُمنَع من أن يتحول إلى ذاكرة مكتوبة.
في وصفه ليوم مناقشة بحثه أمام أستاذه عبد الله العروي ، يقول:
جاء دوري رابعا، عند الثانية بعد الظهر. جلست أمام لجنة تضم أستاذي المشرف، يحيط به الأستاذان محمد سبيلا وكمال عبد اللطيف. قدّمتُ تقريرا شفويا عن موضوع بحثي وإشكاليته وإطاره العام ومنهجيته. وما إن بدأت أستعرض خلاصاتي النهائية، حتى أشار إليّ أستاذي بالتوقف، مانحا الكلمة لزميليه اللذين أضافا ملاحظات من منظور التفكير في الذاكرة. ولما أنهيا حديثهما، ساد صمت يشبه اللحظة التي تسبق مرور القطار. ظللتُ أحدّق في عيني أستاذي مترقبا ملاحظاته، فإذا به يبتسم ويسألني سؤالا لم أتوقعه:
في التاريخ… بعض المصادفات أبلغ أثرًا من الأحداث. أريدك أن تحكي لي عن اعتقالك أثناء قيامك ببحثك.
ارتبكتُ للحظة وتلعثمت، ثم تماسكتُ وسردتُ باختصار أهم ما جرى. لكنه قاطعني ثانيةً قائلاً:
قال لك الدركي إنني أنا من اقترح عليك الموضوع، لكنك أنكرت ذلك، كأنك أردتَ أن تُبعد التهمة عني.
عندها لم أتمالك نفسي، فانهمرت دموعي، وأدرت وجهي خجلًا وأنا عاجز عن الرد. ثم سمعته يروي لزميليه تفاصيل أخرى لم أذكرها، وكأنه كان حاضرا معنا يوم الاعتقال والاستنطاق. وحين أنهى كلامه، التفت نحوي ودعاني للانصراف، وقد ارتسمت على ملامحه قسمات حزن ظاهر.
وبعد سنوات، التقيتُ بمحمد سبيلا في أحد شوارع الرباط، فاستعاد معي يوم المناقشة، وأخبرني أن عبد الله العروي استقى معلوماته من كاتب قائد الدرك الذي استنطقني، والذي كان من طلبته في السابق (: 42 و43).--
نادي القلم المغربي - الدار البيضاء