فتح معبر رفح وسط رمال إسرائيلية متحركة
القاهرة - لا يعني فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، تجريبياً يوم الأحد ورسمياً الاثنين، أن معاناة الشعب الفلسطيني انتهت، أو على وشك أن تنتهي، فالشروط التي وضعتها إسرائيل فيما يتعلق بعملية خروج ودخول المواطنين قاسية، وترهن استمرار الفتح بدرجة الاستجابة لها. ربما يتغير أو يتبدل بعضها تحت ضغوط الوسطاء الإقليميين والولايات المتحدة، لكن إسرائيل لن تفرط في ورقة المعبر التي تمثل شرياناً مهماً ومتنفساً وحيداً لغزة بعد غلق جميع المعابر مع إسرائيل.
تؤكد الشروط التي وضعتها إسرائيل هيمنتها الأمنية المفرطة على قطاع غزة، والممانعة الكبيرة في استكمال بنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال وضع المزيد من المطبات. فمعبر رفح، الذي كان من المنتظر فتحه خلال المرحلة الأولى قبل ثلاثة أشهر، نجحت إسرائيل في تأجيل الخطوة إلى أن مارست واشنطن ضغوطاً مكثفة عليها، وضيقّت الخناق بما جعل ليس هناك مفر من الاستجابة. وهذا يعني أنها عند أي محك أمني-مصيري ستقوم بوقف عمل المعبر بطريقة طبيعية، والعودة إلى مسار المعاناة المزمنة في مسألة التنقل.
يتوقف تخلي إسرائيل عن بعض شروطها على حجم الضغط الأميركي ورفض الوسطاء لإجراءاتها المجحفة. فقبل أسابيع قليلة أعلنت إسرائيل موافقتها على فتح معبر رفح في اتجاه الخروج نحو مصر وبلا عودة مرة أخرى، وهو ما رفضته القاهرة، وتكاتف معها الوسطاء، قطر وتركيا والولايات المتحدة، حتى قبلت إسرائيل أخيراً بفتحه في الاتجاهين، مع وضع حزمة شروط تتعلق بأعداد المغادرين والقادمين.
حدد جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل (شاباك) نحو 150 شخصاً للراغبين في الخروج من غزة، و50 لمن يسعون إلى العودة، مع تعليمات وإجراءات أمنية مشددة للفريقين تمكنها من معرفة هوية كل شخص، ووضع قاعدة بيانات تساعدها على التحكم في الحراك الديموغرافي داخل القطاع، وتؤدي في النهاية إلى تنفيذ مخطط التهجير، عبر تفريغ القطاع تدريجياً من عدد كبير من سكانه، في ظل حالة من اللاتوازن في معادلة الدخول والخروج. الأمر الذي تم رفضه من قبل القاهرة، التي تريد أن يكون عدد المغادرين مساوياً للعائدين.
وحوت لائحة العائدين شرطاً قاسياً يتعلق بقصره على من غادروا القطاع بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ورفض عودة أي شخص كان في سجون إسرائيل وتم الإفراج عنه بموجب صفقة تبادل الأسرى، في محاولة للحفاظ على نوع من النقاء الأمني، بزعم أنها تريد تجنب مواجهة "طوفان الأقصى" مرة أخرى، بينما الحقيقة أنها تعزز سيطرتها الأمنية، وأن قبضتها لن ترتخِ في القطاع. وبالتالي ضرب عرض الحائط بما حاولت خطة السلام وضعه من ترتيبات تفضي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الخط الأصفر في شرق غزة، وعدم منح اللجنة الوطنية الإدارية فرصة للعمل في هدوء تحت إشراف مجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب، ويقوده تنفيذياً السفير البلغاري ميلادينوف.
في كل خطوة أظهرت فيها إسرائيل نوعاً من الاستجابة لرغبة الرئيس الأميركي، تلتها بإجراءات تفرغها من مضمونها السياسي. وما يجري بشأن فتح معبر رفح دليل على تمكنها من المراوغة وامتلاكها وسائل تساعدها على تحقيق أهدافها في النهاية. فقد رفضت قيادة الجيش الإسرائيلي الانسحاب من غزة، ومنحت قواتها مساحة للحركة بحجة مطاردة عناصر المقاومة، والاستفادة من أي خرق بسيط أم كبير من قبل حركة حماس، والتعامل معه بحسم، ما يفرض سيطرتها التامة على القطاع.
يوحي ما حدث يوم السبت (31 يناير/كانون الثاني) من عمليات مرعبة في القطاع أدت إلى وفاة نحو 32 شخصاً وإصابة العشرات، أن الآلة العسكرية لن تتوقف في غزة، ولن تحترم اتفاق وقف إطلاق النار، ومصممة على استمرار الحرب بشكل متقطع، ما يعيد إلى الأذهان الآلية التي تتعامل بها إسرائيل مع لبنان. فبعد موافقتها على وقف إطلاق النار منذ نحو عام ونصف، لا تزال تقوم بعمليات عسكرية في الجنوب اللبناني ومناطق أخرى، ولم تقم الولايات المتحدة بردعها أو منعها، ما يشي بأنها موافقة ضمنياً على ما تقوم به إسرائيل ولن تمانع من تكرار السيناريو في غزة.
نجحت إسرائيل في جعل المناطق التي تستهدفها على شكل رمال متحركة. كل من يريد التحرك وسطها سيواجه سيولة تؤدي إلى ابتلاعه، أو على الأقل عدم تمكينه من الوصول إلى أهدافه. فإسرائيل تجيد التعامل مع كل الأجواء، المؤيدة والرافضة، ولديها من الأدوات ما يجعل مهمة أي طرف يواجهها صعبة.
الجهة الوحيدة التي تستطيع فرملتها في غزة أو غيرها هي الولايات المتحدة، والأخيرة غارقة حالياً في ملفات إقليمية ودولية تجعل من غزة مشكلة هامشية. وتسعى إسرائيل إلى الاستثمار في هذه الحالة وفرض شروطها دفعة واحدة أو مرحلياً.
تشير رؤية إسرائيل حيال فتح معبر رفح إلى وجود تسويف فاضح، وأن وضع المطبات الأمنية الغرض منه تفشيل عمله، أو تحويله من نافذة تتنفس منها غزة وتطل من خلالها على العالم الخارجي إلى معاناة يومية، تتداخل فيها المسؤولية بين تل أبيب والقاهرة، وبعثة الاتحاد الأوروبي للمراقبة الموجودة على المعبر من جهة غزة، والتي تعمل بموجب اتفاق سابق وقّع عام 2005 مع السلطة الفلسطينية عقب انسحاب إسرائيل من القطاع، ثم رحلت البعثة بعد عامين عندما سيطرت حركة حماس على غزة تماماً وتولت إدارة المعبر بالتنسيق مع الجانب المصري.
تنأى إسرائيل عن هذه الصيغة، ورفضت أي تواجد رمزي للسلطة الوطنية، ومنعتها من الحصول على أي مكسب معنوي، مثل رفع العلم الفلسطيني على المعبر أو تواجد عناصر تابعة لها مباشرة، ما يشير إلى أن إسرائيل حولت تفاصيل المعبر إلى وسيلة ابتزاز، وقناة لإجهاض كل توجه إيجابي تقود إليه خطة السلام، التي وافقت إسرائيل عليها نزولاً على رغبة الرئيس ترامب، وامتصاص النقمة الدولية التي تعرضت لها بفعل إجراءات عسكرية صارمة في القطاع طوال عامين، وليس لتفضي إلى وجود سلطة حقيقية في غزة تحت قيادة فلسطينية من التكنوقراط.
تعد الإشكاليات المحيطة بفتح معبر رفح واحدة من الأدوات التي تستخدمها إسرائيل لتأكيد قدرتها على امتصاص الغضب الخارجي وعرقلة الجهود التي تُبذل لتصحيح مسار القضية الفلسطينية، وفقاً لما اتخذته من قرار استراتيجي يتعلق بإحكام السيطرة على مفاصل غزة والمماطلة في أي استحقاقات تفرض عليها، ولا تستطيع رفضها مباشرة.