صفاء بركة: أطمح لدراما صادقة تخاطب الأسرة المغربية
تستعد المخرجة المغربية صفاء بركة للعودة إلى الشاشة الصغيرة من خلال مسلسلها الجديد "شكون كان يقول”، وهو عمل درامي اجتماعي يركز على قضايا المرأة والأسرة والتحولات النفسية والاجتماعية التي تعيشها شخصيات من الهامش، ودفالمشروع يجمع بين وجوه شابة وأسماء معروفة، ويعتمد على سرد واقعي يمزج بين التشويق والطرح الإنساني
وفي هذا الحوار مع موقع "ميدل إيست أونلاين"، تكشف صفاء بركة تفاصيل تجربتها الجديدة ورؤيتها لمستقبل الدراما المغربية، وفيما يلي نص الحوار:
تعودين بعمل جديد بعنوان “شكون كان يقول”، ماذا يمثل لك هذا المشروع؟
أعتبره خطوة ناضجة في مساري، إذ كنت أبحث عن قصة قريبة من الناس وتعبر عن حياتهم اليومية بصدق ومن دون تجميل يمثّل مشروع "شكون كان يقول" بالنسبة لي، كما هو الحال مع كل عمل أشتغل عليه، فرصة جديدة للقاء المتلقي المغربي وتجديد الحوار معه. أعتبر كل تجربة فنية مسؤولية وفرصة في الآن ذاته، لمحاولة إيصال فكرة أو مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تُسهم في إحداث تغيير أو تأثير إيجابي داخل المجتمع. وأنا أعمل على هذا المشروع، لا أنسى أبدًا الدور المحوري الذي تلعبه التلفزة في تشكيل الوعي الجماعي، وما لها من تأثير مباشر على المتلقي، وهو ما يجعلني أكثر حرصًا ووعيًا باختياراتي الفنية وبالرسائل التي يحملها العمل.
ما الذي يميز هذا المسلسل عن أعمالك السابقة؟
ما يميّز هذا المسلسل عن أعمالي السابقة هو اعتماده على تيمة بوليسية واضحة، مصحوبة بجرعة عالية من التشويق لم يسبق أن قدّمتها من قبل. إلى جانب ذلك، ركّزت بشكل أعمق على الدراما الإنسانية للشخصيات، ولا سيما الشخصيات النسائية، من خلال تقديم نماذج واقعية وقريبة من الحياة اليومية، بعيدًا عن المثالية أو المبالغة. تنطلق أحداث العمل مع وقوع جريمة في الحلقات الأولى، لتبدأ بعدها سلسلة من التحريات التي تكشف أن لكل شخصية، مهما كان وضعها الاجتماعي أو سنّها، دافعًا محتملًا لارتكاب الجريمة. وكان بناء هذا التشويق، على مستوى السرد والصورة، تحدّيًا حقيقيًا بالنسبة لي، سعيت من خلاله إلى شدّ انتباه المشاهد ومرافقته في رحلة البحث عن الحقيقة.
لماذا وضعتِ المرأة في قلب الحكاية؟
وضعتُ المرأة في قلب الحكاية لأنّها تشكّل محور الأسرة ونواة المجتمع، وعندما نروي قصتها، فإننا في الحقيقة نروي قصة مجتمع بأكمله. وبصفتي امرأة، أجد نفسي منحازة إلى قضايا المرأة في كتاباتي وأعمالي، ليس بدافع التحيّز بقدر ما هو وعي بالمسؤولية. أحرص على لفت الانتباه إلى ما تعيشه المرأة من تحديات نفسية واجتماعية وتناقضات يومية داخل المجتمع. أشعر بقرب خاص منها، وأجدني أقدر على تمثيلها بصدق في أعمالي، وأؤمن أن من واجبي كصانعة أعمال أن أُعطي صوتًا لهذه التجارب، وأن أفتح باب النقاش حولها بجرأة وصدق.
حدثينا عن الخطوط الدرامية الأساسية؟
يقوم المسلسل على تتبّع المسارات الدرامية لثلاث فتيات: مروة، وأسماء، وسناء، نشأن وترعرعن داخل مؤسسة خيرية. ومع خروجهن إلى الحياة خارج أسوار الخيرية، تجد كل واحدة منهن نفسها أمام مفترق طرق، حيث تختار مسارها الخاص وتحدّد هدفًا واضحًا لمستقبلها، وتسعى إلى تحقيقه مهما كان ثمن الوصول. تحاول بعضهن طيّ صفحة الطفولة، أو التناسي المقصود لما عاشته من قسوة وتجارب مؤلمة، والتركيز على بناء المستقبل، لتكون فاعلة في حياتها وصانعة لقراراتها. في المقابل، تختار إحداهن موقع المتفرّج أو المتلقي، مكتفية بدور المفعول به داخل مسارها الحياتي، بينما تبقى الأخرى عالقة في الماضي، أسيرة لهوية الضحية، فكلما حاولت استجماع قواها للمضي قدمًا، شدّها ماضيها وجراحه إلى الوراء
وتكمن العبرة في نهاية المطاف في التأكيد على أن كل إنسان مسؤول عن حياته واختياراته، وأننا قد نعيش الظروف ذاتها، لكن النتائج تختلف باختلاف الوعي والقوة الداخلية والقدرة على اتخاذ القرار. فالنجاح لا يكون حكرًا على من كانت بدايته سهلة، بل على من امتلك الشجاعة لتغيير واقعه بيده، وكتب قصته بقلمه، بعيدًا عن تبنّي دور الضحية أو تعليق الفشل على شماعة الماضي، مع الإيمان بأن الألم يمكن أن يتحوّل إلى دافع لا إلى قيد.
العمل يجمع بين وجوه جديدة ونجوم معروفين، ما فلسفة هذا المزج؟
أحب إعطاء الفرصة للشباب مع الاستفادة من خبرة الأسماء المخضرمة، لان هذا التنوع يخلق طاقة خاصة أمام الكاميرا، بينما تعاونتِ كتابيا مع فريق ثابت ومحكم، لأن بيننا انسجاماً كبيراً، دائماً أقول، لا نغير فريقاً رابحاً، لأن الثقة تكمن في جودة العمل
أما فيما يخص الشخصيات الأساسية، فقد أسندت أدوارًا محورية لكل من ابتسام لعروسي، وفرح الفاسي، ووسيمة الميل. وبالنسبة لابتسام لعروسي، فهذه ليست المرة الأولى التي أشتغل فيها معها، إذ جمعنا تعاون في مجموعة من الأعمال السابقة، وشهادتي فيها مجروحة. أشعر براحة كبيرة في العمل معها، لأنها تمتلك قدرة استثنائية على ارتداء الشخصية والتقمص العميق لها، إلى حد يجعلني مطمئنة تمامًا على الشخصية حين تكون بين يديها.
أما فرح الفاسي، فكانت هذه أول تجربة عمل تجمعني بها، وقد شكّلت بالنسبة لي اكتشافًا حقيقيًا. هي ممثلة شغوفة جدًا بعملها، مجتهدة إلى أبعد الحدود، لا تتوقف عن الاشتغال، وتبادر دائمًا بالاقتراح والبناء وإضافة لمسات خاصة تمنح الشخصية تميّزها وعمقها.
أما المفاجأة، والتي ستكون كذلك بالنسبة للمشاهد، فهي مشاركة المغنية وسيمة الميل. فرغم مشاركاتها السابقة في أعمال عربية بسوريا ولبنان، فإنها قدّمت أداءً لافتًا وإبداعًا استثنائيًا في شخصية أسماء، لتجسّد نموذجًا حيًّا على أن الموهبة، حين تقترن بالعمل الجاد والمثابرة، تؤتي ثمارها بالفعل.
تطرقتم لمواضيع حساسة مثل العنف الأسري والتهميش، هل تخشين الجدل؟
لا أخشى الجدل بقدر ما أؤمن بأهمية طرح القضايا الحساسة بصدق ومسؤولية. العنف الأسري والتهميش واقع يعيشه جزء من مجتمعنا، وتجاهله لا يلغي وجوده. دوري كصانعة أعمال ليس إثارة الجدل من أجل الجدل، بل فتح مساحة للنقاش والتفكير، وتسليط الضوء على هذه القضايا من زاوية إنسانية تحترم المتلقي ولا تسيء إليه، مع الحرص على المعالجة الفنية الرصينة التي تضع الكرامة الإنسانية في صلب الحكاية.
ماذا تتمنين أن يحقق المسلسل؟
أتمنى أن يشعر المشاهد بأن العمل يشبهه ويعبر عنه، وأن يضيف شيئاً حقيقياً للدراما المغربية، لأنني أراهن دائماً على الصدق، لأن الصدق وحده يصل إلى قلب الجمهور