رسالة مصرية جديدة للصومال وما حوله
القاهرة- كرر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي رسالته بشأن الحفاظ على وحدة واستقرار الصومال خلال استقبال الرئيس حسن شيخ محمود في القاهرة يوم الأحد الماضي. وزاد عليها أن أمن البحر الأحمر وخليج عدن هو مهمة الدول المطلة عليهما.
يعد الشق الأول من الرسالة مفهوما؛ فلم يتغير موقف مصر من ضرورة الحفاظ على وحدة الدول واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تفتتها. ولم يتبدل موقف القاهرة في أي من الصراعات التي اجتاحت بعض الدول العربية.
يحتاج الشق الثاني من الرسالة المزيد من النقاش؛ فقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يشير فيها الرئيس السيسي صراحة إلى أمن خليج عدن ويربطه بالبحر الأحمر، باعتبار أن الأول ممر طبيعي وشريان حيوي يقود إلى الثاني، وأي تطورات في أحدهما حتماً سوف تؤدي للتأثير في الآخر.
جاءت هذه الإشارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث نكأ اعتراف إسرائيل بأرض الصومال جرحاً إستراتيجياً لدى مصر، التي تعتبر منطقة القرن الأفريقي جزءاً من أمنها القومي؛ فما يجري فيها ستكون له تداعيات كبيرة عليها، إن عاجلاً أو آجلاً.
من هنا تبدو الإشارة إلى خليج عدن موجهة إلى أرض الصومال، التي تطل بكاملها عليه. وأكدت بعض التسريبات أن هناك تفاهمات بين حكومتي هرغيسا وتل أبيب؛ إذ يتوقع أن تمنح الأولى مزايا تفضيلية عسكرية للثانية على الخليج، تمكنها من زيادة نفوذها في القرن الأفريقي وتوسيع أنشطتها الأمنية وتغيير التوازنات الراهنة.
منح الرئيس المصري في لقائه مع نظيره الصومالي هذه المرة أهمية كبيرة لأمن البحر الأحمر وحصره في الدول المتشاطئة بما تجاوز الحسابات المادية التقليدية المتعلقة بأمن الملاحة، ومنع حدوث تهديدات تفضي إلى خفض عائدات قناة السويس. فقد جاءت الإشارة هذه المرة عقب تصميم إثيوبيا على الوصول إليه عبر ميناء عصب الإريتري، وقدمت مجموعة من الذرائع لتبرير مساعيها كدولة حبيسة يحق لها امتلاك إطلالة بحرية، وكان لها وجود تاريخي قبل انفصال إريتريا عنها.
لم تكن هذه النوعية من المبررات كافية لإقناع أسمرة بالتجاوب معها، كما أن التهديدات لم تفلح في تغيير الموقف الإريتري. وقبيل لقاء السيسي وشيخ محمود في القاهرة، أصدرت وزارة الخارجية الإثيوبية بياناً، أشارت فيه إلى احتلال إريتريا لمناطق في إقليم تيغراي وتعاونها مع متمردين فيه. وعرضت أديس أبابا عقد صفقة شاملة على أسمرة، ضمنتها الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب الإريتري.
تجاهلت أسمرة الرسالة الإثيوبية، وكل ما حوته من رسائل مصالحة وتهديدات مبطنة؛ فأديس أبابا تتحدث عن احتلال أسمرة أراضي في تيغراي بعد سنوات من وقف حرب تحالفا فيها لسحق شعب تيغراي وقتل مئات الآلاف منه، ما يعني أن هناك مقدمات بدأت تتكشف لمزيد من التصعيد بين البلدين، وأن البحر الأحمر من المحتمل أن يصبح ساحة رئيسية لتصفية الحسابات بين أديس أبابا وأسمرة، ما جعل الرئيس السيسي يعيد التذكير بأحقية الدول المتشاطئة فقط لتقرير مصير البحر الأحمر، وخليج عدن.
إذا كانت إثيوبيا تريد إطلالة بحرية لأسباب تجارية فلا يوجد أمامها من خيار سوى التفاهم مع إريتريا أو الصومال. ولأن أسمرة لم تبدِ تجاوباً مع أديس أبابا قد يكون التصعيد طريقاً وحيداً لتنفيذ طموحاتها. وأراد السيسي تحجيم هذا الاتجاه من خلال التذكير بقاعدة أن الدول المتشاطئة لها حق الدفاع والحفاظ على أمن البحر الأحمر وخليج عدن، لإعادة اللُّحمة بين الدول المطلة عليهما ومواجهة التحديات بصورة جماعية للحصول على موقف متماسك لا يسمح لأي جهة باستغلال بعض الثغرات.
رمزت زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بعد أيام قليلة من زيارة قام بها برفقة رئيس جيبوتي لإثيوبيا، إلى تمسكه بالتحالف مع مصر، وأن ذهابه إلى أديس أبابا لن يؤثر على الاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية التي وقعتها مقديشو مع القاهرة، أو يغير من أي تفاهمات جرى التوصل إليها سابقاً.
وقد استثمرت إثيوبيا زيارة أديس أبابا في الإيحاء بأن الحكومة المركزية في مقديشو بدأت تتحلل من علاقتها مع مصر، وهو ما تم دحضه بموجب التصريحات العلنية التي أدلى بها السيسي وحسن شيخ محمود حول تعزيز العلاقات بين بلديهما.
تخوض مصر معركة من نوع خاص مع إثيوبيا، أصبحت معالمها واضحة؛ تظهر وتخفت وفقاً لبعض السياقات الثنائية والإقليمية. وكل طرف يسعى نحو تكتيل الأوراق التي تساعده على ممارسة ضغوط على الآخر لإجباره على التسليم برؤيته. وتسببت الخلافات حول سد النهضة في الوصول إلى نقطة حرجة في العلاقات بين الجانبين.
دشنت أديس أبابا السد وانتهت منه، حسب رؤيتها المنفردة، وتجاهلت مطالبة القاهرة بأن يتم الإنشاء بعد التوقيع على اتفاق ملزم يشمل السودان، وتفاهمات حول البناء والكمية التي يحتجزها خلفه وآليات التشغيل ومراعاة سنوات الجفاف في المستقبل.
كانت هذه واحدة من الأزمات التي فجرت خلافاً حاداً بين البلدين، أدى إلى تجميد المفاوضات بينهما، واعتراف القاهرة بالفشل في إيجاد حل مرضٍ للطرفين. ولجأ كل طرف إلى البحث عن الأدوات التي تعزز رؤيته، ثم انحرف المسار وأخذ بعداً إقليمياً عبر سعي كلاهما لتطوير العلاقات مع دول مجاورة لفرض رؤيته على الآخر.
دخل البحر الأحمر عنصراً في الأزمة عندما أعلنت إثيوبيا عن نواياها الوصول إليه، بدأتها بتوقيع مذكرة تفاهم مع أرض الصومال، تحصل بموجبها على ميناء بحري مقابل الاعتراف باستقلالها، الأمر الذي رفضته مصر ودفعها إلى تطوير علاقاتها مع حكومة مقديشو المركزية ودعمها في توجهها نحو الحفاظ على وحدة الصومال. دقت الخطوة الإثيوبية جرس إنذار قوي في القاهرة، ما أدى لزيادة حضورها في منطقة القرن الأفريقي وتطوير التعاون مع كل من الصومال وإريتريا وجيبوتي.
تسبب تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قلب المعادلة بين مصر وإثيوبيا، عندما أعلن استعداده للتدخل وحل أزمة سد النهضة. وكانت تصريحاته منحازة في ظاهرها إلى رؤية القاهرة، لكن حتى الآن لم يتحرك القطار من محطته التفاوضية المتجمدة. وأسهم موقفه في زيادة الثقة في التصورات المصرية حيال القرن الأفريقي، وقوّض ما كانت تقوم به أديس أبابا من استفزازات للقاهرة.
لذلك فالرسالة المهمة التي وجهها الرئيس السيسي عقب استقباله الرئيس حسن شيخ محمود للصومال وما حوله من دول تريد إعادة ترتيب الأوضاع بما يتماشى مع مصالحها، ويضر بالمصالح المصرية الإستراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن.