الواقع الرقمي يعيد إنتاج إفِّيه 'متعوّدة دايمًا'
إفيه "متعودة.. دايمًا!" للفنان عادل إمام في مسرحية "شاهد ماشفش حاجة" (1976) ليس مجرد جملة ضاحكة، بل هو بنية ثقافية مكثَفة تلخص تناقضات المجتمع. كتب المسرحية الفريد فرج (1929 – 2005) وأخرجها هاني مطاوع (1944 – 2015).
يتكون الإفيه من كلمتين ترتبطان بعلاقة تكرار وتأكيد "متعودة" تشير للعادة، و"دايمًا" تؤكد الاستمرارية المطلقة.
يكمن الضحك في التناقض البنيوي بين جلالة المحكمة (سلطة القانون) وحقارة المضمون (الحديث عن "عنايات" الراقصة وزوَّارها). وتتحول الجملة من مجرد إجابة عابرة إلى "لازمة" أو "موتيفة" تعيد تنظيم الحوار وتكسر جمود الجلسة في كل مرة تُقال فيها.
''متعودة" اسم فاعل من الفعل الخماسي تعوَّد، ويدل على التلبس بالصفة وتحول السلوك العابر إلى هوية ثابتة. والكلمتان مترادفتان وظيفيًّا، والجمع بينهما لغويًّا يعد فضلة (حشو)، لكنه في السياق الكوميدي يعمل كـ "مؤكد تداولي" للصدمة.
الأداء الصوتي لعادل إمام (المد في "متعوووودة" والقطع السريع في "دايمًا") نقل الجملة من تقرير حقيقة إلى أداة سخرية لاذعة.
يعكس الإفيه فكرة "العود الأبدي"؛ حيث يفقد الإنسان حريته ويتحوّل إلى آلة تكرر أفعالها دون وعي أو إرادة. فالعادة هي الموت التدريجي للوعي. عندما يصبح كل شيء "مألوفًا ومتوقعًا"، يسقط الاندهاش أمام رتابة الواقع.
تمثل الجملة حيلة دفاعية نفسية، حيث يتم تحويل السلوك الصادم أو المنحرف مجتمعيًّا إلى "أمر عادي" لتقليل الشعور بالذنب أو الصدمة. يضحك الجمهور لأن الإفيه يلمس منطقة كبت؛ فهو يعرِّي النفاق الاجتماعي حيث يعرف الجميع الحقيقة لكنهم يتظاهرون بالمفاجأة.
شخصية "سرحان عبد البصير" في المسرحية تمثل "الأنا" الطفولي غير الواعي بالتابوهات، فهو يقول ما يراه دون رقابة ذاتية (الفلتان القولي). ونلاحظ أن "دايمًا" تلغي الزمن الخطي (ماضي، حاضر، مستقبل) وتحوله إلى زمن دائري راكد لا يتغير فيه شيء. كما أن الإفيه ينقل الحدث من خانة "الحدث العابر في الماضي" إلى "الحالة المستمرة" التي تهيمن على الحاضر والمستقبل.
لقد تجاوز هذا الإفيه سياق السبعينيات وتحول إلى إفيه عابر للأجيال (تجاوز الزمن الفيزيائي للمسرحية) ليعبر عن أي حالة رتابة أو تكرار في الحياة اليومية الحالية. وتشير السيميائية إلى أن الدال هو اللفظ (متعودة دايمًا)، والمدلول المباشر هو "الاعتياد". لكن المدلول الثقافي (الإيحائي) أصبح يرمز إلى الفضيحة المكشوفة، والتواطؤ الصامت، والفساد الذي بات مألوفًا.
ولعلنا لاحظنا أن الإفيه لم يكن لغويًّا فقط؛ بل ارتبط بإشارات جسدية (حركة اليد، نظرة العين الزائغة، والابتسامة البلهاء) وهي علامات سيميائية تشير إلى الدهشة المصطنعة والفضول البشري.
تحوَّل الإفيه من "علامة" داخل نص مسرحي إلى "أيقونة" مستقلة تُستخدم في الكوميكس والسياسة والحياة اليومية للدلالة على السلوكيات السلبية المزمنة.
عادل إمام أثناء نطق هذا الإفيه يكشف كيف يمكن للإشارة الجسدية أن تمنح الكلمة العادية أبعادُا درامية وكوميدية عميقة. إنه لم ينطق الجملة بفمه فقط، بل جسّدها بكل جوارحه عبر حركات مدروسة ومكررة تحولت إلى "شفرة جسدية" يفهمها المشاهد فورًا. حركة اليد (اللولبية الممتدة) حيث يرفع الفنان يده إلى مستوى الكتف أو الرأس، ويقوم بحركة دورانية سريعة بكف اليد أو الأصابع قبل أن يوجهها نحو المتلقي (الحاجب أو وكيل النيابة). هذه الحركة الدائرية لليد تترجم "الزمن الدائري" للعادة؛ هي تجسيد بصري لفكرة التكرار والتدوير (شيء يلف ويدور ويعود لنفس النقطة).
التناقض بين عشوائية حركة اليد وحزم الإشارة في نهايتها يعكس العبثية؛ فهو يشير بثقة شديدة نحو حقيقة تافهة أو فضائحية. وتعبيرات الوجه (المفارقة بين البراءة والخبث) اتساع العينين والحواجب المرفوعة حيث يفتح الفنان عينيه على وسعهما ويرفع حاجبيه عند نطق "متعوووودة". هذا التعبير يحاكي "الدهشة الطفولية" الصادقة، وكأنه يكتشف الحقيقة للتو أو يستغرب من عدم معرفة الآخرين بها. وتظهر ابتسامة واسعة تخفي وراءها نوعًا من "النكاية" أو التواطؤ الصامت. هي ابتسامة الشخص الذي يملك سرًّا يعرفه الجميع لكن لا أحد يجرؤ على قوله. حركة الرأس الاهتزازية حيث يميل رأس عادل إمام (أو سرحان عبدالبصير) قليلاً إلى الأمام أو الجانب مع هزّة خفيفة عند كلمة "دايمًا"، وهي إيماءة جسدية تعني في الثقافة الشعبية: "هذا أمر مفروغ منه ولا نقاش فيه".
عندما يبدأ سرحان في سرد تفاصيل حياة "عنايات"، ينحني بجسده بأكمله نحو المنصة (القاضي أو حاجب المحكمة)، وهو تموضع جسدي لإفشاء الأسرار. هذا الانحناء يحوّل قاعة المحكمة الرسمية الجادة إلى جلسة "دردشة" حارة على مقهى شعبى.
بعد نطق الإفيه، يعود جسد سرحان سريعًا إلى وضعية الانتصاب العسكري أو الثبات، محاولاً استعادة وقار "المواطن الصالح" الشاهد في المحكمة، مما يخلق صدمة حركية كوميدية.
يتزامن المد الصوتي في كلمة "متعوووودة" مع حركة اليد المستمرة في الهواء؛ اليد لا تتوقف حتى ينتهي المد. وعند نطق كلمة "دايمًا!" الحازمة والقاطعة، تتوقف حركة اليد والجسد تمامًا بشكل مفاجئ، مما يعطي الكلمة قوة "الصدمة" وينتزع ضحك الجمهور فورًا بسبب هذا التوقف غير المتوقع.
لا شك أن لغة جسد عادل إمام في هذا الإفيه كانت بمثابة المكبر المجهري للكلمة اللغوية. لو قيلت الجملة والجسد ساكن لفقدت 90% من طاقتها الكوميدية. الجسد هنا هو الذي حوّل السذاجة إلى سخرية لاذعة، وجعل من شخصية سرحان عبد البصير المغلوب على أمره مرآة تفضح نفاق مجتمع بأكمله.
إسقاط إفيه "متعودة.. دايمًا!" على الواقع المعاصر ينقله من مجرد قفشة مسرحية قيلت في السبعينيات إلى "عدسة تفسيرية" نرى من خلالها سلوكياتنا اليومية والسياسية والاجتماعية. إنها الجملة التي تختزل آليات قبول الأمر الواقع.
عندما يواجه المواطن أزمة متكررة (مثل: زحام المرور الخانق، أو انقطاع الخدمات، أو المعاملات الروتينية المعقدة)، فإنه بدلاً من الثورة أو البحث عن حلٍّ جذري، يلجأ إلى التكيف النفسي. يلجأ إلى جملة "متعودة دايمًا" فهي التعبير الدارج عن هذا التكيف؛ حيث يتحوًّل المشكل الاستثنائي إلى نمط حياة طبيعي.
اليوم لو سمع الناس عن قضايا فساد ضخمة أو سلوكيات غريبة في الشارع، فإن أحدًا لم يفتح فمه ذهولاً، كما كان يحدث من قبل، بل لسان حال الجميع يقول: "ما نحن متعودين دايمًا!". إنه إسقاط سياسي يوحي بالاستسلام وتثبيت الأمر الواقع.
في المحكمة، كان الجميع يعرفون ما تفعله "الراقصة عنايات"، لكنهم صمتوا حتى جاء الشخص "الساذج" وفضح الأمر. سياسيًّا، يمثل الإفيه حالة "الجميع يعرف، والجميع يتظاهر بعدم المعرفة"، حتى تأتي لحظة ينطق فيها شخص ما بالحقيقة العارية فيتحول الأمر إلى كوميديا سوداء.
وفي ثقافة التريند والميديا يتحوّل الإسقاط النفسي المعاصر إلى بلادة مشاعر، فبسبب التدفق الهائل للأخبار والمآسي على منصات التواصل الاجتماعي، يصاب الإنسان الحديث ببلادة عاطفية. كما نأخذ – في الحسبان - مناظر الحروب، والحوادث، والكوارث التي تمر أمام الأعين، والرد النفسي غير الواعي خلف الشاشات هو "متعودة دايمًا"، مما يقلل من حجم التعاطف البشري الفعلي وتحول المأساة إلى مجرد "محتوى" يومي مكرر. فالواقع الرقمي يُعيد إنتاج هذا الإفيه ليعبر عن السخرية من أي قرار حكومي مفاجئ، أو هزيمة متكررة لفريق رياضي، أو حتى تصرفات غريبة من المشاهير.
لقد بات مثل هذا الإفيه السلاح الساخر لمواجهة العجز عن التغيير، ولعله يقابل العبارة الشهيرة "هذا ما وجدنا عليه آباءنا"؛ فداخل الشركات والمؤسسات الحكومية، عندما يأتي موظف جديد بأفكار تطويرية خارج الصندوق، يُجابه فورًا بعبارات محبطة تعني "نحن نسير هكذا منذ سنوات". هذا الجمود الإداري هو تجسيد حي لـ "متعودة دايمًا"؛ حيث تُقدس العادة على حساب الكفاءة والتجديد.
إن الإسقاط على الواقع، يحول الإفيه من جملة تصف "انحرافًا سلوكيًّا لشخصية غائبة" (عنايات) إلى فلسفة عيش للمواطن المعاصر. إنه يعبر عن الفجوة بين "ما يجب أن يكون" و"ما هو كائن بالفعل"، حيث نختار الضحك والسخرية كآلية دفاعية لمواجهة واقع نرى عيوبه بوضوح، لكننا اعتدنا عليها حتى أصبحت جزءًا من هويتنا اليومية.