'الجبال الخمسة' ملحمة شعرية تفكك قلق الوجود وسخرية العبث
يواصل الشاعر والناقد الأردني/الفلسطيني الدكتور راشد عيسى اشتغاله على مشروعه الشعري والنقدي بدأب واجتهاد عميقين، حيث رفد المكتبة الأردنية والعربية بمنجزه الشعري والنقدي الذي يعد مرجعا مهما للدارسين والباحثين وطلبة الدراسات العليا.
وضمن هذا السياق أصدر الشاعر راشد عيسى حديثا ديوانه الشعري "الجبال الخمسة"، وهو قصيدة ملحمية طويلة تقع في 68 صفحة من الحجم السياحي الصغير، مبنية وفق شعر التفعيلة، بأسلوب درامي مفتوح على السينما والمسرح ومنسجم مع الانسياب السردي وشعرية البث القصصي، فقامت القصيدة على توظيف إيقاع الخبب الذي يمنح الشاعر حرّية التدفق في متابعة السرد وتنويعاته لهندسة بنائية دافقة لا تعيقها القوالب الإيقاعية الجاهزة.
وقد لفت انتباهي غرابة موضوع القصيدة الذي يتّجه إلى استدعاء الفكر والفلسفة بصورة عفوية لا تثقل البناء الشعري وإنما تزيده خصوبة معرفية وتصعد به إلى مرتبة عليا من شفافية المشاعر الفكرية.
اتصلت بالشاعر وسألته عن هذا الاتجاه الجديد في مضمون شعره فقال: "أتصور أن الشعر مفتوح على التجريب الشكلاني، وقادر على تجاوز المألوف المستهلك من الرؤى والمعاني. في هذا الديوان اشتغلت على سؤال وجودي كبير وهو هل يستطيع أولو الفكر وذوو العمق الفلسفي من أعمدة الحكمة الأولين تقديم حلول ما لمأساة اغتراب الإنسان عن واقعة وحياته وأحلامه؟ لذلك تقمصت شخصية كبير الرعيان الذي يسوق أغنامه إلى جبال خمسة يعيش فيها خمسة حكماء تاريخيين مشهورين من خمس حضارات قديمة فتحاور هذا الراعي المتساهي مع حمورابي وكونفوشيوس وبوذا وزرادشت وأوفيد، سألهم وسمع إجاباتهم. ثم في النهاية وجد نفسه في قلق سعيد أو ما يُسمّى بطمأنينة السخرية والعبث من جدوى الدنيا".
دافع الشاعر عن حق الإنسان في طرح الأسئلة أمام فشل الإجابات وسخر من الزمان والمكان والإنسان والأفكار وعبودية الآمال الخائبة، فكان متأمّلًا عميقًا في تحوّلات الحياة ومقاصدها وأسبابها.
فهو بهذه الرؤية يخلص القصيدة الجديدة من نمطية الشعر السائد ومن اعتيادية الموضوعات المبتذلة ساعيًّا إلى الارتقاء بجوهر الشعرية إلى رتبة أعلى من تجديد مبنى القصيدة و اتجاهاتها المقترحة نحو ما هو فلسفي شفّاف في رحلة مكابدة الإنسان مع ضرورة الحياة.
وراشد عيسى بناء ماهر لموسيقى الشعر، وصاحب تجربة شعرية طويلة ولا سيما مع اللغة الشعرية القائمة على النحت والاشتقاق والتصريف المغامر.
قدم الشاعر التداعيات بمنظومة من القوافي الجزئية بحيث تبدو القصيدة سلاسل في عقد إيقاعي واحد. ولذلك أتوقع أن هذا الديوان إضافة نوعية لتجربة عيسى الحريص على تقديم كل مجموعة في صورة مشروع فني مقترح لصالح الشعر المعاصر الذي يعيش حراكا فنيا متواصلا. وقد ظهر لي الديوان أنه خلاصة فكر الشاعر وموقفه من الحياة بعد أن جاوز السبعين ورأى ما يُرى وما لا يُرى.
يمكن أن نسمي هذه المجموعة ديوان "الجيب" الذي يرافق المسافر في ترحلاته. يختم الشاعر قصيدته الملحمية بقوله:
"لحظة ملَّت من تكرار خدائعها
الأزمان،
وأحسَّ الشجن الكوني بغربته الكبرى
فزَّ كبير الرعيان
صبَّح بالخير على الدنيا،
ثم شوى على نار من عيدان الدفلى
وخشاش العشب وقشّ النسيان،
عبأ زوادته بالتمر وبالماء
وبأسئلة الغرباء،
ثم نوى أن يتجول بين جبال خمسة
ليطهر حيرته الشرسة
ويواجه أخلاق الزمكان
سلَّ عصاه وشد حزامه
وتلثم واعتد بخنجر، واقتاد الأغنام أمامه
ومشى في جانبه كلب جبلي
وذهول سرّاني وحصان عطشان".