برنية تُعرّي زيف القوانين.. أما آن لنزيف شاحنات الموت أن يتوقف؟

الأم التونسية الشابة تفقد حياتها في حادث جديد لشاحنة تنقل العاملات إلى الحقول دون أي معايير سلامة، تاركة رضيعا لم يتجاوز الثلاثة أشهر، فيما ظلّت القوانين المنظّمة لنقل الكادحات حبرا على ورق.

في الرابعة من فجر يوم الجمعة 12 يونيو/حزيران 2026، وبينما كان السكون يخيم على الطريق المحلية الرابطة بين معتمديتي الرقاب والمزونة من محافظة سيدي بوزيد التونسية، انطلقت شاحنة خفيفة من نوع "إيسوزو" خالية من أدنى معايير السلامة، كما هو الحال منذ سنين طويلة. كانت الشاحنة تحمل على متنها كدساً من الأجساد النحيلة المتراصة وقوفا، أغلبهم من النساء، خرجوا قبل شروق الشمس بحثاً عن لقمة عيش شريفة.

من بينهن كانت برنية كفاية؛ أم لم يمنعها وهن جسدها ولا تعب الولادة الحديثة من الاستيقاظ باكراً، مدفوعة بحاجة لا ترحم: رضيع لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر ينتظر حليباً، وطفل آخر يصارع المرض ويسابق الأمل في توفير ثمن الدواء. غادرت "برنية" بيتها وعينها على طفليها، ولم تكن تعلم أن رحلتها نحو الحقول ستتوقف فجأة قرب المدخل الشمالي لمعتمدية المزونة.

في لحظة خاطفة، انحرفت الشاحنة المكتظة وانقلبت، ليتناثر في الفضاء صراخ مكتوم ودماء زكية. أسفر الحادث عن وفاة عاملتين (من بينهما برنية) وإصابة 13 أخريات بجروح متفاوتة الخطورة، إحداهن بُترت يدها. وعلى قارعة الطريق المتردية، لم يبقَ سوى أرغفة خبز ملطخة بالدم، تروي بصمت ما عجزت الكلمات عن وصفه؛ أرغفة كانت زاد نساء يحملن في قلوبهن أحلام أطفالهن وهموم بيوتهن، يقطعن الرحلات الطويلة نحو الحقول وشبه الموت يرفرف فوق رؤوسهن في كل مرة. رحلت برنية، وتركت وراءها يتماً وحسرة تختزل قسوة التهميش الذي تدفعه العاملات الفلاحيات كل يوم في تونس.

سيدي بوزيد في صدارة محرقة الحقول

ليست فاجعة المزونة الجديدة مجرد "قضاء وقدر" أو حادث مروري عابر، بل هي امتداد مرعب وبائس لظاهرة استمرت على مدى سنوات طويلة دون تغيير.

كشف تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المنشور في ماي 2025، عن تسجيل أكثر من 88 حادثاً لشاحنات نقل العاملات الفلاحيات. هذه الحوادث المتراكمة خلّفت فاتورة بشرية ثقيلة بلغت 65 ضحية فقدت حياتها في الطريق إلى الحقول، إلى جانب 983 جريحاً وجريحة بين عملة وعاملات القطاع الفلاحي.

وتتصدر ولاية سيدي بوزيد قائمة الولايات التونسية كبؤرة لهذه الفاجعة بنسبة تقارب 30% من مجموع الحوادث المسجلة، تليها ولاية القيروان بنسبة 20%. وتؤكد هذه الأرقام المتصاعدة أن الموت قد استحال شريكاً يومياً للمرأة الريفية في تونس، وأن النزيف لم يتوقف يوماً، بل يزداد عمقاً وقسوة مع كل فجر جديد يطل على ريف البلاد.

ارقام منتدى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية
لغة الأرقام
القانون عدد 51 لسنة 2019: حبر على ورق وموت مستمر

قبل سبع سنوات، وتحديداً في شهر أبريل/نيسان 2019، هزت تونس فاجعة "السبالة" بسيدي بوزيد التي أودت بحياة 12 عاملة فلاحية وخلّفت عشرات الجرحى. آنذاك، استبشر الجميع خيراً بتحوّل تلك الصدمة إلى "ثورة تشريعية" تمثلت في إصدار القانون عدد 51 لسنة 2019، المكمل بالأمر الترتيبي عدد 724 لسنة 2020.

ينص هذا القانون بوضوح على:

"تعديل مجلة النقل البري واستحداث صنف جديد مخصص لنقل العملة الفلاحيين (قارين، موسميين، أو طارئين) عبر ترخيص رسمي.

إلزام كل وسيلة نقل ناشطة في هذا المجال بالحصول على "بطاقة استغلال" تُسلم من طرف والي الجهة.

وجوب استجابة العربات لمعايير السلامة الفنية وأن تكون مجهزة ومعدة خصيصاً لنقل الأشخاص، مع تمتعها بالامتيازات الجبائية الممنوحة للنقل الريفي."

ولكن، ماذا تغير على أرض الواقع؟

الحقيقة المرة هي أن هذا القانون بقي حبراً على ورق. فخلال السنوات الست الأخيرة فقط -أي بعد دخول القانون حيز التنفيذ- تم رصد أكثر من 40 حالة وفاة وإصابة 496 امرأة نتيجة ظروف النقل الكارثية ذاتها. لقد عجزت آليات الدولة عن تطبيق القانون، وغرقت التراخيص في دهاليز البيروقراطية، بينما استمر "الوسطاء" في حشر النساء داخل شاحنات نقل البضائع والماشية دون أي رقابة رادعة.

"فولارات" المنابر الإعلامية مقابل صرخة الكرامة

لم تمر فاجعة المزونة في صمت؛ فصباح اليوم السبت، اهتز الشارع الرئيسي بمدينة المزونة على وقع تحرك احتجاجي غاضب نفذته مجموعة من العاملات في القطاع الفلاحي. رفعن شعارات مدوية تدعو إلى تحسين ظروف العمل وضمان وسائل نقل آمنة تحفظ كرامتهن وسلامتهن، مؤكدات أن "الحق في العمل لا ينفصل عن الحق في التنقل الآمن وصون الأرواح".

أصوات المحتجات في البطاحي والشوارع عكست وعياً مريراً بالخديعة والمتاجرة بقضيتهن. إحدى العاملات لخّصت هذا الواقع بمرارة قائلة:

"من سقطن سابقا من الشاحنات ومِتن.. ماذا فعلوا لأجلهن؟ اكتفوا بأن ارتدوا غطاء الرأس (الفولارة) في المنابر الإعلامية.. لا أكثر من ذلك.."

جملة تختزل سياسة رد الفعل الموسمية التي تتوخاها السلطات ووسائل الإعلام، دموع في البلاتوهات، بيانات تنديد عقب كل فاجعة، ثم نسيان تام يعيد العاملات إلى نفس الشاحنات المتهالكة وعلى نفس الطرقات المتردية والمفتقرة لأبسط تجهيزات السلامة المرورية.

اصوات نساء
رضيع ينتظر صدر أمه
متى يتوقف النزيف؟

إن تواصل تنقّل الكادحات حافيات الأيادي عبر "شاحنات الموت" بعد كل هذه السنوات من التباكي والقوانين المعطلة، يمثل فشلاً ذريعاً للدولة في ضمان أبسط الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها. إنها جريمة تواطؤ صامت يشترك فيها غياب الإرادة السياسية، وتراخي الرقابة الأمنية على الطرقات الفلاحية، واهتراء البنية التحتية في المناطق الداخلية المهمشة منذ عقود.

رحيل برنية كفاية وربح شوابنية يجب أن يكون الاستفاقة الأخيرة. القضية ليست مجرد أرقام حوادث تُضاف إلى دفاتر وزارة الداخلية، بل هي قضية عدالة اجتماعية وكرامة وطنية. إن دماء العاملات الفلاحيات التي تروي تراب هذا الوطن لتأمين أمنه الغذائي، تستوجب تحركاً عاجلاً وفورياً يخرج من مربع "الفولارات الإعلامية" إلى مربع الفرض الصارم للقانون على الأرض، وتوفير نقل لائق يحمي أمهات تونس من موت مجاني يتربص بهن كل فجر.