First Published: 2017-10-06

لغة الآي آي في التايم سكوير

 

ما لا نعرفه عن أميركا لا يهم أميركا أن تعرفه عن نفسها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

للروائي المصري يوسف أدريس الذي كان يعتقد أنه أحق من سواه بجائزة نوبل قصة قصيرة بعنوان "لغة الآي آي". وهي اللغة الوحيدة الممكنة التي يعبر من خلالها الإنسان عن المه. أقصى الألم في اللغة.

أمس وفي الجادة السابعة من منهاتن شعرت بأن روحي امتلأت صراخا. كأن علي أن أهذب خطواتي لئلا أقفز كما يفعل آخرون معلنا غضبي. حينها فهمت السبب الذي يقف وراء العدد الهائل من الناس الذين رأيتهم عبر اليومين السابقين وهم يكلمون أنفسهم.

ليس الجنون سوى الجانب العارض من المشكلة.

لا يحتاج المرء هنا لمَن يذكره بضآلته وضعفه وجهله وفقره وضعف حيلته.

كل هذه السعة لا تكفي حياة لاحتواء تفاصيلها. كل هذه القوة في قبضة واحدة. كل هذه المعرفة من غير سؤال يوقفها. كل هذا الثراء الذي لا يكف عن الضرب على أوتار الفجيعة. كل هذا اللعب بالصور في مدينة الصور قد أحال العالم إلى فيلم سينمائي. حينها يشعر المرء أنه ممثل صامت يبحث عمَن يلقنه الكلمات المناسبة لدوره الذي قد لا يشبهه.

مَن قال إن البشر كلهم يمثلون الأدوار التي خلقوا من أجلها؟

لا تُذكر نيويورك بسواها من المدن. فهي ليست مدينة. كل الصفات الخارقة يمكن أن تطلق عليها من غير الحاجة إلى الاعتراف بأن اللغة ناقصة. هنا كل شيء يعاني النقص. لا لشيء إلا لأن الإنسان صنع كل هذا الكمال ليشير إلى نقصه. كل هذا القبح من أجل لحظة جمال خاطفة يصرخ المرء أثناءها بما لا يفهمه من جمل. يمكنك أن تهذي بصوت عال ولا يسمعك أحد. هنا فقط يكتسب المجانين هالة من الشرعية. إنهم كائنات على قدر من القبول.

تغفر لمَن يفقد توازنه ويبدأ في الرقص في "تايم سكوير" بالجادة السابعة بعد أن صار يتخيل نفسه وقد دخل إلى استوديو تصوير فيلم "منهاتن" لوودي آلن الذي أحب نيويورك مثلما لم يحب شخص آخر مدينته.

لحظة عابرة من الجنون قد لا ينتبه إليها آلاف العابرين غير أنها تذهب إلى أعماق الروح باعتبارها خلاصة تجربة المرور بمدينة كأنها منهاتن.

ليست مدينة ولكنها ماكنة لإنتاج الصور وهي صور غالبا ما تكذب.

كانت أميركا تستعين دائما بالكذب من أجل أن يظل صوتها مسموعا وإن اساء ذلك إلى صورتها. ولكن ما الذي يهم في ذلك؟ الصورة لا تبقى. هي وسيلة لصناعة وهم مؤقت. صور الدعايات العملاقة التي تُعرض على جردان ناطحات السحاب تقول ذلك.

لا يشعر الاميركيون بالغضب الذي نتوقعه إن صارت صورتهم سيئة في العالم. فهم لا يهتمون بما نعتقده مهما لا لشيء إلا لأن العالم موجود في حدود ضيقة بالنسبة لهم.

ليس العالم موجودا دائما بلنسبة لهم. إنه موجود فقط حين يشعرون بالحاجة إليه. وهو ما لا يحدث دائما. فالولايات المتحدة من خلال مؤسساتها التقنية العملاقة تحكم العالم عن طريق حاجته إليها.

وكما يحدث للعابرين في الجادة السابعة فإن العالم كله مرغم على أن ينظف دهشته من علامات الاستفهام. فصانع الصور لا يحب أن يسأله أحد. سواء كانت الصور مقبولة أم لم تكن كذلك فإنها القوت الوحيد لعالم استسلم لقدره الرقمي.

يلذ للبعض إطلاق لقب "سيدة العالم" على الولايات المتحدة. ولكن ما يشاهده المرء من أحوال البشر في الشوارع الأميركية لا بد أن يضع تلك الصفة بين قوسين مضطربين.

هناك ألم عميق وصلب لا تعبر عنه إلا لغة الآي آي.

ما لا نعرفه عن أميركا لا يهم أميركا أن تعرفه عن نفسها.

الاف الصور العملاقة وما من واحدة مننها تقول شيئا عن أميركا. الوهم أولا وأخيرا هو ما يضع أميركا في الموقع الذي ترغب في أن تكون فيه.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مزاج عالمي أم تقاسم نفوذ
2017-12-18
أما من نهاية لسلطة أولاد الشوارع؟
2017-12-17
عقاب إيران ضروري لأمن المنطقة
2017-12-16
الاستثمار في القضية الفلسطينية
2017-12-14
حرية لبنان في قفص حزب الله
2017-12-13
الكذب بإسم المقاومة
2017-12-12
لماذا الشارع وليست الحكومات؟
2017-12-11
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
المزيد

 
>>