أجراس تقرع الأرواح في ديوان 'نداء الطين' لعبدالرحيم جداية
عرفت الشاعر والفنان التشكيلي والناقد الأردني عبدالرحيم جداية في منتصف تسعينيات القرن الفائت، شاعرا مجتهدا مثابرا استطاع أن يمتلك خصوصية تميزه عن مجاليه في التجربة الشعرية، هذه التجربة التي قادته إلى فضاء رحب هو النقد، والذي لم يأت تمرينا عاديا بل أفرد مساحات من التمترس خلف مخزون ثقافي وفلسفي كبير من خلال تثقيف النفس الشاعرة التي انعكست هذه التجربة النقدية الواعية على مسيرته الإبداعية، حيث رفد المكتبة الأردنية و العربية بعدد من النقدية التي لا تخل من رؤية نقدية لها بعدها الفلسفي والمعرفي، مما جعله يمارس النقد على نصه الشعرية قبل أن يمارس عليه من النقد الآخر ضمن معاييره ورؤاه المنفتحة تحولات النقد ومدارسه المتعددة.
الشاعر عبدالرحيم جداية نجد مسيرته أو مساره الكشف عن مضامين مبتكرة في منتجه الشعري الرصين فنجد اشتغاله المتقن للجملة الشعرية من التكثيف ومرونة ودقة التراكيب مبتعدا عن ما يسميه النقد الحديث التقليل من التعابير اللفظية، التي تتنافى مع مسألة التداعي، فنجده ممسكا بعملية البحث ما وراء الشعور يترك القصيدة تقوده وتبحر به إلى أعماق النفس البشرية وأعماقه كشاعر يحمل في ثناياه راية أكثر اشتعالا في أعماله لتكون قصيدته معبرا متقدا في كل الاتجاهات.
ضمن ما سبق ذكره يتركنا الشاعر عبدالرحيم نتفيأ ظلال ديوانه "نداء الطين" الصادر حديثا عن الخليج للنشر والتوزيع، الذي احتوى بين دفتيه ما يقرب من سبعين قصيدة جاءت على الشكلين العمودي الذي أخلص له وقصيدة التفعيلة نسج تلك بأنامل مائية شفافة تستقرئ الذات الشاعرة وتبحر عميقا في الشأن الحياتي للإنسان ضمن تأويلات ومجازات لغوية وفلسفية شعرية دالة وكاشفة عن الأشياء وارهاصات الحياة..."نداء الطين" سمفونية تتركنا مموسقين معها ونُشنف الآذان لنمعن بالتراتيل الروحانية المناسبة تجاه المرأة وطقوسها.
من قصيدته التي يبوح فيها للمرأة رافعا صلاة الأم حين تودع حيث يقول:
" أمدُّ إلى عينيك بوحي وأرفع
صلاة فؤاد الأم حين تودع
فتملأ في سمعي صهيل حنينها
وتقبض في صدري العويل فأدمع
وتصرخ ما للآم وتقتل آهنا
وتنكر أنات الزمان وتولع
وتعصر في كفي حقول ضياعها
وتنثر فيَّ الحزن و هي تمنع
لتسفك من ماء العيون عيونها
يفيض إليها الدمع حين تضرَّع
أصلي لعل الصبح يفرد أجنحا
فويق ضلوع الصبر حتى أطوَّع" (108).
نداء الطين الأرواح لعشاق التراب، نداء من تعمدوا بماء السماء ورسموا معنى التشبث بالطين الأول الذي عجنوا منه، فكانت الطفولة كل الأطفال يرحلون فرادى وجماعات جوعى ومرضى تهرسهم دبابات القتل، على صدر غزة يموتون منشدين، نراهم يتنفسون البارود فيخنقهم، هكذا يصور لنا الشاعر أطفال غزة بلغة توليدية تعكس ما بداخل الإنسان المتلقي والمشاهد بالصوت والصورة ما يمارس على أرض غزة من قتل وإبادة جماعية للإنسان الفلسطيني، حيث تبدو قصيدة "طفل على صدر غزة" تفيض باللوعة تقرأ مكامن وبوابات القتل المبرمج للطفولة والحياة، وهذا ما صوره بشاعرية تمثلت هذا النص بكسر القوالب الجاهزة للمعنى عابرا إلى مسألة الانزياح في الدلالة و مقتربا من حيثيات بنية شعرية تقف على مجريات الحدث وتستنطقه بفلسفة القول الشعري وعوالمه الجمالية.
من قصيدته "طفل على صدر غزة" يول فيها: (137)
"لم تموت
كما يموت الورد
يغمره الندى
لم.. لا أقول أحبها
وتحبني
يا غزة
البارود يخنقني
إذا تمادى البرد وانسب
الضياء
قل يا سماء
في كفه
كفن ينازعني المساء
أأعيش في كفّ الردى؟
الصمت يقتلني ويقتل عاشقا
في مقلتيه رسائل
أودعتها لغتي
فعاتبني الغناء".
وفي واحدة من قصائد الديوان يأخذنا الشاعر جداية كون الريشة عانقت أصابعه ليرسم لنا لوحات لا تخل من تجريد اللغة – لغة بصرية مشفوعة بماء الحرف وتشكيلاته لمعمار القصيدة والبناء الفني فنسج تجريد "الذئبة" تجريد "الوقت" وتجريد "صغيرة" وتجريد "بيكاسو" فنجد في هذه الوحات الشعرية التجريدية بعدا فنيا في تركيب الصورة الشعرية التأملية الغريبة كقوله "تمرد الضياء" و"سليل العراء" وأنثى العراء" وغيرها من التأملات الجمالية فنراه سليل المعنى مرتبطا كليا لهذا النداء – نداء الطين والتراب ضمن إحساس مرهف ممن بجدى قول الشعر وأسئلته العميقة تجاه الموجودات والحياة.
من نصه تجريد "بيكاسو" ندلل على سبق الإشارة حيث يقول:
" مثل أزاول شهوتي
هل كان بيكاسو سليل الريح يا أنثى العراء
أنت الريح فعلميه
أنت الصغيرة والشجر
اللون أنت فراقصيني
وعلميني الرسم يا بنت الحقول
الرُّاقصات نساؤه فوق السهول
لا تتركي للريح فرشاة يعريها الذبول".
يبقى ديوان "نداء الطين" للشاعر عبدالرحيم جداية علامة فارقة في مسيرته الشعرية، شاعر استطاع إلى فضاءات كثيرة في هذا متنقلا بنا عبر إبحاره في بحور عدة ليجعلنا على دوزنة الأرواح لنعزف معه سمفونية التجلّي والوجع والعشق والفقد وديمومة الحياة وتأملاتها وسرد الحكايا في عالم مسكون بمعنى القتل و الدمار .. "نداء الطين" أجراس تقرع الأرواح لتوقظ برودة الأشياء وجفاف الزمن المعطوب.
لننشد أخير مع الشاعر قصيدته التي حملت عنوان الديوان "نداء الطين" تقتطف منها:
"أشمُّ تربك في الكفين لم تزل
غيداء ذائبة في أسود المقل
إني رأيتك فوق البيد سارحة
مثل الغزالة إذ تشكو من الغزل
تشكو ويعطف هذا القلب شكوتها
على الحنين يداري دمعة الأسل
للطين رائحة والماء ذوبها
بين الأصابع يجري الماء في القلل
يا أرض حوران هل نادتك كورتها
مذ كنت ترقد يا جنبيك بالعلل".