'الكل يحب تودا' في سباق مع الصغار، أو حين يقزّم الكبار أنفسهم

دخول نبيل عيوش بفيلمه الضخم في المسابقة الرسمية لمهرجان طنجة يجعله يبدو وكأنه استعراض قوة داخل فضاء مخصص للمواهب الصاعدة، مما يكشف عن خلل في احترام مبدأ تكافؤ الفرص وضعف في الرؤية التنظيمية للمهرجان.

يبدو دخول المخرج نبيل عيوش بفيلمه "الجميع يحب تودا" في المسابقة الرسمية للدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة أشبه بمفارقة صارخة. فالفيلم الذي جال مهرجانات عالمية كـ"كان" و"مراكش" و"فالنسيان" وحصد جوائز وتغطيات إعلامية دولية، وجد نفسه في منافسة مباشرة مع صناع أفلام مغاربة يخطون خطواتهم الأولى، بعضهم من دون أي دعم إنتاجي أو مؤسساتي، في وضع يجسد اختلالاً في ميزان المنافسة، ويقزّم الفيلم نفسه داخل فضاء وطني يفترض أن يكون منصة إنصاف للمواهب الصاعدة وليس منصة استعراض لقوة رأسمال الإنتاج.

ويبرز هذا الاختيار غياباً في حسّ الذكاء الاستراتيجي الذي يفترض أن يميز مخرجاً متمرّساً مثل نبيل عيوش. فالفيلم الذي قُدِّرَت ميزانيته بمليوني دولار وشارك في إنتاجه عدد من الشركات الأوروبية والمغربية، ليس في حاجة إلى شرعية مهرجان وطني لإثبات مكانته، اذ كان بإمكانه الاكتفاء بالعروض الاحتفائية أو خارج المسابقة، ليحافظ على هيبته كعمل دولي يحظى باعتراف خارجي. لكن دخوله في منافسة مع أفلام محلية متواضعة، جعل من حضوره أقرب إلى ةستعراض القوة منه إلى حوار فني متكافئ.

ويفرض هذا القرار واقعاً غير متكافئ بين فيلم يملك كل عناصر الدعم الإنتاجي والترويجي وبين أفلام فتية محدودة الإمكانيات. فبينما يحظى " الجميع يحب تودا" بشركات إنتاج دولية، وتوزيع عالمي، وتغطية إعلامية واسعة، لا تملك معظم الأفلام المغربية المنافسة سوى طاقم صغير وحلم بالاعتراف. هذا التفاوت يجعل من المنافسة فعلاً غير عادل، ويحوّل المهرجان من فضاء تنافسي حقيقي إلى ساحة محسومة النتائج سلفاً.

حين ينافس فيلم ضخم الميزانية على نفس الجائزة التي يتنافس عليها فيلم أول لمخرج شاب بلا دعم، فإن الجائزة تفقد معناها الرمزي. فهي ليست فقط اعترافاً بالكفاءة الفنية، وإنما تتحول إلى تأكيد لهيمنة رأس المال والإنتاج الضخم. وهنا يقزّم نبيل عيوش فيلمه من حيث لا يدري؛ لأن انتصاره يصبح تحصيل حاصل، وخسارته ستتحول إلى صفعة رمزية تعني أن كل ما حمله من دعم خارجي لم يكن كافياً لإقناع الجمهور المحلي.

ويريد عيوش أن يُثبت أن فيلمه مغربي الجذور رغم حضوره الدولي، وهذا حقه كفيلم حاصل على دعم المركز السينمائي المغربي، لكن دخوله بهذه الطريقة جعل صورته داخل المغرب مرتبكة. فبينما يُقدَّم الفيلم في الخارج على أنه إنجاز فني مغربي يستحق اوسكار الفيلم الاجنبي، بدا في طنجة وكأنه فيل كبير في حلبة صغار. وهذا التناقض بين صورة الخارج وصدى الداخل يُضعف الفيلم ولا يعززه، ويكشف مدى حساسية موقع المهرجان الوطني كمرآة محلية تعيد ترتيب الهالة التي يصنعها الخارج.

وتؤكد هذه الواقعة أهمية إعادة التفكير في وظيفة مهرجان طنجة. هل هو مهرجان لتكريس الهيمنة الإنتاجية وتلميع صورة الكبار؟ أم منصة لخلق فرص متكافئة بين مختلف الفاعلين في الصناعة السينمائية المغربية؟ إن وجود فيلم بهذا الحجم في المسابقة الرسمية، عوض عرضه خارجها أو ضمن فئة موازية، يكشف خلل في اختيار الفيلم وضعف الرؤية التقييمية التي لا تفرّق بين الاحتفاء بالفيلم ومنافسة صانعيه مع مخرجين في اولى مراحلهم.

ويؤكد دخول نبيل عيوش بهذه الطريقة أن بعض صناع السينما المغاربة الكبار لم يبلوروا بعد وعياً عميقاً بأخلاقيات المنافسة الفنية، فعوض أن يدعم الكبار الصغار ويتركوا لهم مساحة للتنفس والإبداع، يختارون الدخول معهم في نفس الحلبة، وهذا يضعف دينامية المشهد المحلي. وهنا يكون عيوش قد ساهم من حيث لا يدري في تقزيم فيلمه لا تعظيمه، وأحال مهرجان طنجة من فضاء فني إلى معركة غير متكافئة النتائج.

فكيف ستتعامل لجنة التحكيم مع الحمولة الإعلامية العالمية التي رافقت الفيلم منذ عرضه في المهرجانات السينمائية العالمية؟ وإلى أي حد ستكون منصفة وعادلة في إعطاء كل ذي حق حقه وفق معيار الاستحقاق الفني خاصة مع الأفلام الغير المدعمة والأفلام التي تعرض لأول مرة؟