تيمور أحمد يوسف يحلل الأنغام الفلكلورية المصرية

أستاذ الموسيقى العربية يوضح أن رواد الموسيقى والغناء درسوا وتعلموا ونقلوا من إبداعات الإنشاد الديني وليالي الاحتفالات الدينية.


الموسيقى الشعبية هي حصيلة ما تراكم من ألحان للعديد من شعوب الأمم


الأغنية الشعبية هي الأغنية التي نشأت في جو شعبي في بعض المدن والأرياف

أكد د. تيمور أحمد يوسف أستاذ الموسيقى بالمعهد العربي للموسيقى العربية؛ أن الموسيقى العربية تداخلت وتأثرت بثقافات أخرى من حيث النظرية والآلات المستخدمة والايقاعات المتنوعة ومسمياتها المختلفة، وكذلك بعض القوالب الغنائية والآلات المنقولة بعضها عن الامتزاج بحضارات أخرى، بينما انفرد كل شعب بعاداته وتقاليده ولهجاته وثقافته المتوارثة والتي تم بناؤها على أنقاض حضارات سابقة استمرت جذورها في وجدان تلك الشعوب. 
وقال في كتابه "أنغام فلكلورية مصرية" الصادر ضمن سلسلة عالم الموسيقى بالهيئة العامة لقصور الثقافة: "انتشرت نظريات الموسيقى العربية وألحانها عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى بلاد الأندلس، حيث قامت حضارة جديدة مميزة هي المزج بين ثقافة العرب والثقافة الوطنية التقليدية للشعوب التي عاشت في ظل الحكم الإسلامي وتركت بصماتها على التاريخ العربي بل والعالمي. حيث تفاخر فيها العديد من الموسيقيين والملحنين والعازفين".
ورأى أن الموسيقى الشعبية هي حصيلة ما تراكم من ألحان للعديد من شعوب الأمم، وتعتبر الأغنية الشعبية من أهم تلك الصيغ بسبب كثرة مناسباتها وأنواعها التي تطورت خلال عملية النقل السمعي، فلها مظاهرها المتنوعة التي تؤدي من قبل الجماعة وهم غالبا من أهل الريف غير المدربين أو الدارسين للموسيقى، ألحانهم على عكس موسيقى المجتمعات المتعلمة في المدن التي يوجد بها موسيقيون محترفون. 
ويعتبر أن أهم العوامل التي يتشكل منها التراث الموسيقي الشعبي هو: أولا صفة الدوام والاستمرار من الماضي إلى الحاضر، وثانيا صفة التغيير التي تنبثق من الحافز الخلاق للفرد والجماعة، وثالثا اختيار المجموعة للحن معين يحدد الشكل الذي يبقى عليه هذا اللحن.
واعتبر تيمور أن تداول أغنية شعبية من مؤد إلى آخر ومن جيل إلى جيل، يلحق بها نوعا آخر من الإبداع، وإضافة لقيم جمالية جديدة، بالإضافة إلى أن التأثر بأساليب موسيقية أخرى يعتبر تغيرا تدريجيا عن طريق المراكز الثقافية القريبة من المدن، الأديرة وبيوت العبادة، ولكنها في الأصل تحتفظ بخصائصها القديمة لفترات طويلة وكلما كانت موسيقى الجماعة "عرقية" فهي مميزة وتعرف بوضوح ولا تتأثر بالموسيقى المدنية وغيرها.

وأشار إلى إمكانية تصنيف الأغنية الشعبية بأنها الأغنية التي نشأت في جو شعبي في بعض المدن والأرياف، وأن هناك ثلاثة أنواع من الأغاني الشعبية، النوع الأول: الأغاني الدارجة المؤلفة والملحنة من قبل فنانين محترفين ويؤديها مغنون ومغنيات ارتبطت أسماؤهم بها وتظل متداولة زمنا طويلا إلى أن تحل محلها أغان أخرى على غرارها، وهذا النوع من الأغاني وهي وافرة لا تعد من الناحية العلمية من الأغاني الشعبية، لأنها مجرد أغنيات مؤقتة ارتبطت شعبيتها وانتشارها بالزمن الذي ظهرت فيه قبل أن تختفي. 
والنوع الثاني: الأغاني الشعبية التي يؤديها مغنون شعبيون حقيقيون نبعوا من البيئة الشعبية، وهؤلاء يعتمدون في غنائهم على مواهبهم وإمكاناتهم الصوتية وقدراتهم على الارتجال ومؤدو هذا النوع من الغناء في أوروبا إلى ما قبل استقطاب الكنيسة لهم في القرنين التاسع والعاشر، هم المغنون الجوالون الذين عرفوا بالتروبادور والتروفير والمينزينجر والماستر زينجر، أما في الوطن العربي فهم مغنو المواليا والتواشيح الدينية والسيرة النبوية وما إليها من تلك الألوان لطابعها وخصائصها التي لا يمكن الخروج عليها إلا في المضمون وأسلوب الأداء حسب شخصية المؤدي وإمكاناته.
النوع الثالث: الأغاني التراثية التي لا ترتبط بمؤد، تغنى جماعيا، لا يوجد لها تدوين شعري أو موسيقي، ولا يعرف لها مؤلف أو ملحن ولها أكثر من شكل بسبب انتقالها عبر الذاكرة الشعبية ويغنيها الناس في المناسبات الخاصة بهم، وتتصف بقابلية التعديل باستمرار لمواكبة الأنماط الحياتية والاجتماعية وترافق الإنسان من المهد إلى اللحد كأغاني الميلاد وهدهدة الأطفال والطهور وألعابهم، وأغاني الحب والزواج والأغاني الجماعية والفردية الخاصة بالعمل عند زرع الحقول والحصاد والقطاف، وزغاريد الأفراح التي يرددها الناس تلقائيا وعند الحاجة، وهذه الأغاني لا تندثر ولا تموت لصدقها وأصالتها لأنها تعبر عن طبيعة الإنسان الشعبي.
ولفت د. تيمور إلى أن الأغاني الشعبية في مصر هي تلك الأغاني التي ترتبط بالبيئة والمعتقدات والديانة وبمكان وجماعة ما، مثال ذلك أغاني أهل الريف والبوادي ـ أهل الصحراء والنوبة والسواحل وتشتمل على دورة الحياة منذ الميلاد ومراحله كالعقيقة والختان.. إلخ، الزواج ومراحله، الموت، كذلك أغاني السمر، المناسبات الدينية، الأعياد وأغاني العمل مثل الصيد والحصاد والبناء، تلك الأنماط من الأغاني تمارس الإبداع الجماعي سواء أكان الكلمات أم اللحن أم أسلوب الأداء وقد يكون لها مبدع أول لكن انتشارها كان أكبر من مبدعها فظلت الأغنية وأصبح المؤلف طي النسيان. 
وحلل تيمور البناء اللحني والإيقاعي لنماذج من التراث الغنائي الشعبي كالأنشودة التي تنسب لأهل المدينة المنورة حين استقبلوا الرسول صلى الله عليه وسلم بمناسبة هجرته إلى المدينة: 

غلاف الكتاب
الجملة الأساسية للحن الشعبي

طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع 
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع 
أيها المبعوث فينا
جئت بالأمر المطاع
جئت نورت المدينة 
مرحبا يا خير داع
وقال إن نص الأنشودة ولحنها لا ينسب لأحد، ولا نجزم باليقين إن كان اللحن المتعارف عليه هو اللحن الأصلي أم أدخل عليه تعديلات ولا يعرف من دون موسيقاه أو حدد له جنس النغم والإيقاع، وهو لحن مازال يتردد حتى الآن، وبعض الموسيقيين المصريين تناولوا اللحن في موسيقاهم لأعمال دينية وفي برامج الإعلام وبأشكال متنوعة من الإيقاع.
كما حلل أغنية "يا عزيز عيني" التي غناها العمال المصريون المغتربون أثناء الحرب العالمية الأولى في مدية القاهرة ولا يعرف مؤلفها ولا ملحنها، وكلماتها تقول:
آه يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي
بلدي يا بلدي وأنا بدي أشوف بلدي
آه يا عزيز عيني والغربة هدت حيلي
 بلدي يا بلدي والسلطة أخدت ولدي
 ياعزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي 
أشوف عزيزة بنتي ومحمد كامل ولدي
وأيضا أغنية "قطر الندى" التي تتمتع بالثراء النغمي الكامن في أجناس مقامات الموسيقى العربية التي تقتصر ألحانها ومؤلفاتها على أنظمة لجنية مفردة، تقول الأغنية:
الحنة الحنة يا قطر الندى
يا شباك حبيبي يا عيني.. جلاب الهوا
يا خوفي من أمك تسألني عليك
لاحطك في عيني واتكحل عليك
يا خوفي من أختك تدور عليك
لاحطك في شعري يا عيني واضفر عليك
وإن جتني العوازل تسألني عليك
لاحطك في صدري يا روحي واللولى عليك
وحلل تيمور عددا كبيرا من الأغاني الخاصة بالخطبة والزواج مثل "صلاة النبي" و"يا بوشال مكلف" و"سلام يا سلام" وتوقف عند الطقطوقة التي يرجع تاريخ ظهورها إلى أوائل القرن العشرين ولا يعرف أول من ألقها أو لحنها، لكنها عرفت وانتشرت واشتهرت بعد أن لحنها وغناها بعض كبار رواد الفن في مصر ومنهم محمد علي لعبة وداوود حسني وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب وغيرهم. 
وتعتبر الطقطوقة من التراث المصري التي رددتها الجماهير وأحبتها واستطاعت أن تدخل كل بيت في المدينة والقرية وشاعت بين الناس بسرعة فائقة، ومن أشهر الطقطوقات "خفيف الروح" و"طلعت يا محلا نورها" و"الحلوة قامت تعجن في الفجرية" لسيد درويش، و"حسدوني وباين في عينيهم" لمحمد عبدالوهاب، و"قمر له ليالي" لداوود حسني.
ولاحظ د. تيمور أن ألحان بعض الأغاني الشعبية التراثية المشهورة قد قام بالاستيلاء عليها بعض الملحنين المشهورين واستخدموا الجملة الأساسية للحن الشعبي، بل وأضافوا عليه أعمال منسوبة لهم الأمر الذي يؤدي إلى نسيان الكلمات الأصلية، وربما لحنها الأصلي مثل أغنيات "يا نخلتين في العلالي، آه يا أسمر اللون، ع الزراعية يا رب أقابل حبيبي، يا بهية وخبريني يا بوي، سلم عليّ، يا حسن يا خول الجنينة، أتمخطري يا حلوة يا زينة، البحر بيضحك ليه، برهوم يا برهوم".
وحذر من أن التراث الموسيقي والأغاني الشعبية العربية أصبحت مشاعا متاحا لكل من أراد أن يستخدمه بدون أية روابط أو موانع، لهذا ربما سيحين وقت ينسى فيه تراثنا القومي والشعبي وذلك لكثرة تداول المستورد من الفنون الموسيقية والغنائية والتي تمحو الهوية الفنية لموروثات عربية.
وخلص د. تيمور أحمد يوسف إلى أن غالبية مشاهير فن الموسيقى والغناء في مصر منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى قبل نهاية النص الأول من القرن العشرين قد درسوا وتعلموا وانتهلوا ونقلوا من إبداعات الانشاد الديني وليالي الاحتفالات الدينية إلى ثقافة فنونهم وموسيقاهم واستلهموا منها بعض الألحان والكلمات والشعر وأسلوب الأداء أمثال أم كلثوم وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي ورياض السنباطي ومحمد عبدالوهاب.