'جلال الدين' رحلة صوفية تدخل المنافسة في سيني بلاج

فيلم يزاوج بين الروحاني والمادي في مناقشة الحياة البشرية يطل من الهرهورة.

دخل الفيلم المغربي الروائي الطويل "جلال الدين" للمخرج حسن بنجلون غمار المنافسة ضمن المسابقة الرسمية لفعاليات الدورة السادسة من مهرجان سيني بلاج الهرهورة، حاملا المتفرجين في رحلة سينمائية صوفية مستوحاة من فلسفة جلال الدين الرومي، إذ تقدم الأحداث معالجة فنية تمزج بين عوالم روحية وتجارب حياتية تتقاطع فيها ثيمات الحب والتسامح والصبر والتضحية مع عمق الحكاية.

الفيلم من بطولة ياسين أحجام وفاطمة ناصر وفاطمة الزهراء بلادي، ويروي قصة رجل فقد زوجته فاختار العزلة بحثًا عن النور الداخلي، قبل أن يتحول بعد عقدين إلى معلم صوفي محاط بتلاميذه، ينشر الحكمة والتسامح وقبول الآخر مهما اختلف الدين أو العرق أو اللون.

واعتمد حسن بنجلون في هذا العمل على أسلوب بصري شاعري ولغة جسدية معبرة، مزج فيها بين السرد التقليدي وتقنيات سينمائية، مثل توظيفه الفلاش باك والموسيقى الروحية والرقص الصوفي ليبين رحلة التحول الداخلي لشخصية جلال الدين وصراعه بين الماضي والحاضر، كما يفتح الفيلم باب التأمل الفلسفي من خلال اقتباسات عميقة من تراث الرومي، ليؤكد على وحدة الوجود والتواصل المباشر بين الإنسان والخالق.

وتُحسب للفيلم جرأته في ملامسة قضايا حساسة عبر شخصيات متشابكة، مثل شخصية ربيعة التي تكشف ماضيها المظلم في علاقة بفضيلة، لتبرز صراعات الإنسان بين الروحاني والمادي، وبين الغفران والرغبة في الانتقام.

واستوحى المخرج المغربي من جلال الدين الرومي عنوان فيلمه وموضوعه، ليقدم عملا سينمائيا صوفيا ينشر قيم الحب والصبر والتسامح والتضحية وحب الذات في مواجهة الأزمات وسلطة القضاء والقدر، مجسدا فلسفة قبول الحياة بكل أبعادها الروحية والوجودية.

وخاض بنجلون في فيلم "جلال الدين" تجربة سينمائية مختلفة، مستحضرا عوالم الصوفية ليروي قصة مستمدة من الواقع اليومي والتحديات التي يواجهها الإنسان في حياته وتعامله مع الأزمات والمشكلات الكبرى، واعتمد على أداء النجوم ياسين أحجام وفاطمة ناصر وفاطمة الزهراء بلادي لتجسيد الشخصيات بطريقة تجذب الانتباه وتؤكد صدق التجربة الفنية.

وتوضح المشاهد ملامح الرحلة الروحانية لشخصية جلال الدين، رجل يرفض الاستسلام لفقدان زوجته، واتخذ قرار الانعزال عن العالم لاستكشاف النور الداخلي، وتحول بعد عقدين إلى معلم صوفي يعيش حياة هادئة بصحبة تلاميذه، مستمتعاً بجمال الوجود وحكمة التجربة الروحية، ليوضح تحول الحبكة السينمائية من الألم الداخلي إلى اكتساب الحكمة.

واستخدم المخرج اللغة الجسدية لتعزيز قوة اللغة البصرية وتوجيه الحبكة الدرامية، وتداخلت الفنون السبعة في العمل الروحاني لتروي قصة حب فريدة بين هبة وجلال الدين، مجسدةً رحلة تحديات مشتركة بدءا من فقدان هبة لعائلتها وانتهاءً بتقاسمهما دروب الحياة معا.

وخلق الفيلم أجواء متناغمة عبر تقنيات المكياج والديكور والموسيقى التصويرية، محوّلا تجربة المشاهدة إلى غوص في عوالم صوفية تختلف عن واقعنا المعاصر، وعبر شخصية هبة عكس الاستعداد للفرح والروحانية العميقة، متجاوزة التجارب الحسية ومستمدة السعادة من اليقين الروحي بالله.

واستعمل بنجلون أسلوب الشاعر الراوي في مشاهد تدوين هبة لحياتها اليومية بأسلوب شعري في دفتر صغير، مضيفا بعدا أدبيا يفتح أبواب التأمل والتفكير العميق، ومقدما للمتلقي فسحة للتفاعل الشخصي مع أحداث الفيلم وفلسفته الروحية.

وأبرزت الأحداث لاحقا في الفيلم تصوّرا تفاعليا لمواضيع فلسفية صوفية، ودمجت الشخصيات مع الخلفيات الفنية لتضع التساؤلات حول حكمة الرومي، وانعكست هذه الفلسفة في ذروة الفيلم بفضل حوارات الشيخ مولاي عمر الذي جسده الممثل عزالعرب الكغاط، وهذا أدى إلى تحول جلال الدين نحو الطريق الصوفي بعد اعتناقه للفلسفة.

وأظهر بنجلون عبر رؤيته الإخراجية وكتابته السينمائية أسلوبا فنيا يأخذ المشاهد في رحلة اكتشاف أعماق شخصية جلال الدين، متقاطعا مع امرأة تعمل في مركز للتدليك، تُدعى فضيلة، وتدير مجموعة فتيات يتيمات.

وتألق ياسين أحجام في تجسيد شخصية جلال الدين كرجل ثري يعيش السعادة برفقة هبة، معبّرا عن الحب العميق والخوف من فقدانها، ومتحليا بالصبر والإرادة رغم الظروف القاهرة، في حين أظهرت فاطمة الزهراء بلادي في شخصية ربيعة تعقيدات العلاقة الإنسانية بين الحب والممنوع، متجاوزة التابوهات الاجتماعية والأخلاقية من خلال مشاهد صادمة تكشف الصراع النفسي والمعنوي للشخصيات.

واستعرض المخرج اللغة الجسدية ليوضح قوة اللغة البصرية في الحبكة، خاصة في مشاهد حب عادل لربيعة وتقبله لماضيها، مجسداً بذلك التسامح والقدرة على الرضا بالواقع، وظهرت هذه القيم على تصرفات الشخصيات، مثل الثبات في مواجهة التحديات والابتسامة التي تعبر عن التفاؤل الداخلي.

استخدم بنجلون تقنية الفلاش باك للتركيز على اللحظات المفصلية في حياة جلال الدين، وكشف تطور شخصيته عبر الزمن، مع إعادة النظر في تسلسل الأحداث لخلق تجربة سردية مفتوحة وغامضة، من أجل إضافة بعد من التأمل على التطورات الزمنية في علاقاته بالآخرين.

ويبرز الفيلم التباين في الألوان من أجل تباين واختلاف العلاقات الإنسانية، مجسدا اضطراب روح جلال الدين بين ذكريات هبة وربيعة، مع تصوير زاوية الشيخ الصوفي مولاي عمر في الريف كفضاء يعبر عن الانعزال الروحي والتأمل البعيد عن صخب المدينة.

ويسرد الفيلم مشاهد حوارية بين ربيعة وجلال الدين تكشف مآسي الاستغلال على يد فضيلة، واستعرض تأثير هذه التجربة على تطور القصة، مع التركيز على التحديات النفسية والمعنوية للشخصيات، والحفاظ على انسيابية الحبكة وتفاعل المشاهد مع الدراما الاجتماعية.

واستخدم المخرج تقنيات بصرية وصوتية لإيجاد تجربة سينمائية متكاملة، مع تعزيز التفاعل العاطفي مع شخصية وليد حفيد جلال الدين، واستعرض رحلة البحث عن اليقين الروحي والانضمام إلى جده، واعتماد فلسفة الرومي في قبول الجميع بغض النظر عن اللون أو العرق أو الدين، مؤكداً وحدة الوجود والتواصل المباشر بين الإنسان والخالق.