'دوَّار غالية' لوحة إنسانية قصصية دافئة

المجموعة القصصية للكاتبة غادة مأمون تحتوي على 18 قصة قصيرة، بأسلوب ينتمي إلى المدرسة الرومانسية الاجتماعية، حيث ترتكز على المزج بين العاطفة والرسالة.

احتوت المجموعة القصصية "دوَّار غالية" للكاتبة غادة مأمون على ثماني عشرة قصة قصيرة، ومن خلال قراءتنا لها نستطيع أن نقول إن أسلوبها ينتمي إلى المدرسة الرومانسية الاجتماعية، حيث ترتكز أعمالُها على المزج بين العاطفة والرسالة، فهي تحرص على التوازن بين الحكاية المشوقة والهدف الأخلاقي أو القيمي الذي تسعى لإيصاله. فضلا عن النزعة الواقعية التأملية حيث يجمع سردُها بين رصد الواقع الإنساني والتعمق في التأمل الداخلي، خاصة فيما يتعلق بتقاطعات الذات الأنثوية مع الواقع. كما أنها تركز على القضايا الاجتماعية حيث تنطلق كتاباتها من إحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع، مع التركيز على القضايا التي تمس الأسرة المصرية، وإبراز التجارب الشعورية من خلال نصوصها التي تعكس تنوع التجارب الوجدانية والوجودية التي تمر بها المرأة في مختلف مراحل حياتها. كما تهدف من خلال أسلوبها السردي إلى "زرع القيم" وتقديم مرآة للقراء، ليروا فيها أنفسَهم وتحدياتِهم اليومية.

من أبرز أعمالها التي تجسد هذا الأسلوب رواية "عندما يتحدث الصمت" والمجموعة القصصية "حكاية العمر"، ثم المجموعة القصصية "دوَّار غالية" التي سوف نتوقف فيها عند القصة الأولى ففيها كل السمات والملامح القصصية والإبداعية للكاتبة غادة مأمون، عملا بمبدأ إن قطرة ماء البحر، تمثل خصائص البحر الشاسع.

ترسم قصة "دوَّار غالية" -التي سُميت المجموعة باسمها- لوحة إنسانية دافئة، تجسد زمن "البيوت المفتوحة" والحكمة الفطرية التي كانت تدير مجتمعاتنا الريفية. وترمز شخصية "الحاجة غالية" "للمرأة القوية الحكيمة"؛ فهي لم تكن مجرد زوجة صاحب دار، بل كانت "قاضية اجتماعية" تدير الأزمات برحمة وحزم. والجميل في تصويرها هو التوازن بين القوة (التي تخشاها النساء وتنفذ أوامرها) وبين الحنان (مثل توزيع الطعام والهدايا).

كما تُبرز القصة موقف "سنية وعبده المكوجي" الذي يعكس كيف كان كبار العائلات قديمًا يفضلون "الستر والإصلاح" على الفضيحة والهدم. الحل الذي وضعه الأب هو "الزواج والابتعاد المؤقت إلى بلدة أخرى" أنقذ حياةً وأسَّس أسرة ناجحة (طبيب ومرشد سياحي)، بدلاً من تدمير مستقبل فتاة وشاب، وهما هنا "سنية وعبده المكوجي".

"الدوَّار" في هذه القصة يرمز إلى "مؤسسة اجتماعية" حيث توضح القصة أنه لم يكن مكانًا للسكن فقط، بل كان ملجأً للمحتاج (مثل عم منصور النجار)، ومدرسة للأخلاق (تأديب زوجة منصور)، وملاذًا للمنكسرين. كما يمثل "الدوَّار" قيمة الوفاء والارتباط بالأصل، حيث تمسك الابنة بـ "أطلال المصطبة" رغم بيع الأشقاء للدوار، إنه تمسك بالقيمة لا بالعقار. 

نهاية القصة بظهور "عم عبده المكوجي" ليرد الجميل بالضيافة، هي "قفلة" درامية مؤثرة تؤكد أن الخير لا يموت، وأن السيرة الطيبة هي الميراث الحقيقي.

ونخلص إلى أن هذه القصة تثير الحنين لزمن كانت فيه "كلمة الكبار" دستورًا، و"المصطبة" برلمانًا للعدل والرحمة.

تمنحنا قصة "دوَّار غالية" بناءً سرديًّا متماسكًا يمزج بين الواقعية الاجتماعية والرمزية الأخلاقية، فقد اعتمدت على "الفلاش باك" (الاسترجاع). تبدأ القصة من الحاضر (أطلال الدوَّار) لتعود إلى الماضي، ثم تنتهي بمفارقة تجمع بين الحاضر والماضي معًا من خلال (لقاء عبده المكوجي).

لقد أصبح الدوَّار هو المركز (النواة) الذي تنطلق منه وتعود إليه كلُّ الخطوط الدرامية، وكلُّ الشخصيات في القصة، وهي شخصيات بُنيت على مبدأ "النموذج"؛ فالأم هي (الحكمة)، والأب هو (الحزم والستر)، والابنة هي (الذاكرة والوفاء). والصراع كان صراعًا خارجيًّا متمثلا في (مشاكل أهل القرية، والفقر، والخطأ الأخلاقي) وقد تم حله بتدخل "القوة العاقلة" (المتمثلة في الأب والأم).

استخدمت الكاتبة غادة مأمون لغةً تراثية ريفية (الدوَّار، المجلس العرفي، أخذ الواجب، المصطبة، الستر)، مما يًضفى صبغة واقعية على الأجواء. واتسمت لغتُها بالجُمل القصيرة والسريعة في نقل الأحداث (كتْب الكتاب، سافرا، أنجبا طفلين)، وهو أسلوب الحكواتي الذي يركز على العبرة والنتيجة. 

وتبرز لغة الوجدان في وصف المشاعر (أدب جم، حزن، تهللت أساريره، دفء، حنان)، مما يخلق حالة من التعاطف مع الشخصيات.

وقد نجحت الكاتبة في إبراز ما يمكنه تسميته "فلسفة الستر" مقابل "العقاب" ذلك أن القصة تتبنى فلسفة اجتماعية ترى أن الإصلاح والاحتواء أسمى من إقامة الحد المجتمعي أو الفضيحة.

تطرح القصة فكرة أن الإنسان "سيرة" لا "جسد"؛ فموت الأب والأم لم ينهِ وجودَهما، بل استمر هذا الوجود في ردود أفعال الناس (صينية الطعام من الجار). وتظهر القدرية في وفاة المولود الأول لسنية وعبده، كنوع من "التطهير" أو الضريبة للخطأ القديم قبل بدء حياة جديدة نقية.

على الجانب النفسي تظهر "سايكولوجية القيادة" المتمثلة في الأم "غالية" التي تمارس دور "الأنا الأعلى" للقرية؛ فهي الضمير الذي يوجه ويعنِّف ويُصلح. كما تبرز "فضيلة الانتماء للمكان" حيث تتمسك الابنة بنصيبها من الميراث (الأطلال) وهو تمسكٌ نفسيٌّ بالهوية وبالأمان الذي كان يمثله الوالدان، ورفض لفكرة التخلي أو النسيان. 

وقد لاحظنا أن لجوء سنية للأم وهي تبكي، واعتراف عبده المكوجي أمام الأب، يمثلان حاجة إنسانية للتطهر من الذنب عبر سلطة أبوية رحيمة.

لقد شعرنا ببطء الزمن الجميل متمثلا في (الجلسات، صواني الطعام) مقابل سرعة الزمن الحاضر متمثلا في (بيع الدوار، تحوله لأطلال). مما يؤكد أن الزمن في هذه القصة زمنًا دائريًّا؛ بدأ بـ "كرم غالية" وانتهى بـ "كرم الجار" لابنة غالية، مما يوحي بأن الزمن يدور ليعيد الجميل لأصحابه. ومن خلال هذا الزمن الدوَّار لاحظنا قفزات زمنية حيث تقول الذات الساردة (بعد عامين، صرت شابة، مات أبي وأمي) لتسريع الأحداث والوصول إلى اللحظة التنويرية في النهاية.

إن هذا التحليل لقصة "دوَّار غالية" يكشف عن نص يحمل قيمة أنثروبولوجية (توثيق لنمط حياة) وقيمة أدبية عالية في آن واحد.

ويُعد المشهد الختامي في قصة "دوار غالية" (لقاء الابنة بعبده المكوجي عند المصطبة) هو "لحظة التنوير" التي تمنح النص قيمته الأدبية والأخلاقية. والمصطبة هنا ليست مجرد قطعة حجر، بل هي "عرش القيمة". جلوس الابنة عليها هو محاولة لاسترجاع "الدور" المفقود. ومن الناحية الدرامية تمثل هذه المصطبة النقطة التي يلتقي فيها الحاضر المادي (الأطلال) بالماضي الروحي (الدفء والحنان)، وهي المكان الذي شهد "صناعة المعروف" قديماً، ليشهد الآن "رد الجميل".

وتكمن المفارقة الدرامية في تبادل الأدوار؛ قديمًا كانت الحاجة غالية هي من تُخرج الصواني لعم منصور وسنية وعبده، والآن؛ "الصينية" تخرج للابنة من البيت المواجه. هذا التبادل يجسد مقولة "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"، ويتحول الكرَم من فعل فردي قامت به الأم إلى "ثقافة متبادلة" استقرت في وجدان أهل القرية.

وأعتقد أن لحظة "التعرف" هي ذروة المشاعر. عندما تسأل الابنة الرجل عن اسمه ويقول: "أنا عمك الحاج عبده المكوجي"، هنا تحدث صدمة إيجابية للقارئ وللابنة معًا. ووصف المكوجي لنفسه بالحاج إثبات للنجاح؛ فكلمة "الحاج" هنا توضح أن عبده أصبح رجلاً ذا مكانة ووقار، مما يثبت أن قرار الأب بالستر والإصلاح كان استثمارًا بشريًّا ناجحًا. لقد تحولت صفة "المكوجي" الذي كان يومًا ما سببًا في "فضيحة" وصاحب وجه مصفوع، أصبح الآن هو "صاحب الواجب" الذي يرد الهيبة لبيت ولي نعمته، سواء الحاجة غالية أو زوجها.

استخدمت الكاتبة تعبير "عيناه تلمعان فرحًا" مما يعكس صدق المشاعر؛ هو لا يقدم الطعام كصدقة، بل كـ "اعتراف بالجميل". هذه اللمعة هي التي تبرر تمسك الابنة بقطعة الأرض؛ فالميراث الحقيقي لم يكن "الدوَّار" كبناء، بل كان هذا "الحب" الذي وجدته في عيون الرجل.

إن هذا المشهد الأخير؛ يغلق الدائرة السردية بإحكام. لقد بدأت القصة بـ "صواني الطعام" التي لا تنقطع من الدوَّار. وانتهت بـ "صينية طعام" تعود إلى الدوَّار (أو ما تبقى منه). هذا الإغلاق يعطي شعورًا بما يسمى "العدالة الشاعرية"؛ فالخير الذي بذلته الأم غالية لم يذهب مع الريح بوفاتِها، بل ظل حيًّا ينتظر عودة ابنتها ليُرد إليها.

إن هذا المشهد الختامي هو الذي حوَّل القصة من مجرد "حكي ريفي" إلى "ملحمة إنسانية" عن الوفاء والستر، وجعل من "المصطبة" رمزًا أدبيًّا لا يزول بزوال الحوائط. 

لقد كان تمسك الابنة بالمصطبة وفاءً خالصًا، لكنه وفاءٌ من النوع الذي يتجاوز مجرد الحزن على الراحلين إلى "استحضار الأثر". وتمسك الابنة بـ "أطلال المصطبة" تحديدًا هو أسمى صور الوفاء، فهي لم تتمسك بالقصر أو المال، بل تمسكت بالمكان الذي كان يُنصَف فيه المظلوم، ويُطعم فيه الجائع، وكأنها ترفض بيع "قيم" والديها. إلى جانب الارتباط الروحي بالمكان، فجلوسها على المصطبة والتحافها بدفء الأم وحنان الأب هو وفاء عاطفي، يجعل من المكان "مزارًا" يستمد منه الإنسان قوته النفسية أمام تغيرات الزمن. وأيضا الوفاء للذاكرة، فرفضُها لضغوط أشقائها المادية يؤكد أن قيمتها الشخصية مرتبطة بهذا الإرث الأخلاقي، وهو ما كافأها عليه القدر في النهاية برؤية ثمار غرس والديها (متمثلا في عم عبده المكوجي).

لقد أثبت وفاء الابنة أن "المصطبة" التي رآها الأشقاء مجرد "أطلال" لا قيمة لها، كانت في الحقيقة "منارة" لا يزال ضوؤها يُرشد أهل القرية للوفاء والجميل.

ولعلنا نتوقف عند رد فعل الأشقاء في القصة الذي يمثل الصراع الأبدي بين "المادية" التي تريد بيع كل شيء، وبين "العاطفة" التي ترى القيمة في التفاصيل البسيطة. إن هذا الصراع هو المحرك الخفي للجزء الأخير من القصة، حيث يمثل الأشقاء "المنطق المادي" الذي يرى في "الدوَّار" مجرد عقار قديم أو عبء مالي يجب التخلص منه لتحصيل المنفعة، بينما تمثل الابنة "المنطق المعنوي" الذي يرى في الأطلال هوية لا تُقدر بثمن. هذا التضاد يُبرز اختلاف مفهوم "الميراث"، فبالنسبة للأشقاء هو (أرقام ومساحات)، وبالنسبة للابنة هو (رائحة وتاريخ).

وفي النهاية تنتصر الذات الكاتبة للروح، فلو كانت الابنة وافقت أشقاءها وباعت نصيبها، لما حدث اللقاء الختامي مع "عم عبده"، ولضاعت حلقة الوصل الأخيرة بين "خير الماضي" و"وفاء الحاضر". لقد كان قرارها بالاحتفاظ بالمصطبة هو الذي منح القصة خاتمتَها الأخلاقية؛ فالمادة تذهب مع البيع، لكن المعنى يبقى ما دام هناك من يحفظه.

إن ظهور "عم عبده" في النهاية هو "المكافأة" التي استحقها وفاء الابنة. إنها مكافأة قدرية تأتي لتؤكد أن القرارات القائمة على الوفاء لا تخسر أبدًا. وظهور "عم عبده" في تلك اللحظة تحديدًا لم يكن مجرد صدفة درامية، بل كان "صك غفران" وتطمين لقلب الابنة، وكأن القدر يقول لها: "لستِ وحدكِ في هذا المكان، ووالداكِ لم يرحلا ما دام أثرُهما يُطعمُكِ الآن". 

إن هذا المشهد الختامي هو رد اعتبار للمصطبة التي استخفَّ بها الأشقاء، فأصبحت هي المكان الوحيد الذي "أثمر" حبًّا ووفاءً وخبزًا. هذه المكافأة جعلت من القصة رحلة تبدأ بـ "العطاء" وتنتهي بـ "الاستحقاق".

ولعل السؤال الختامي الذي يطرح نفسه تفاعليًا إزاء هذه القصة الجميلة: هل لو قُدّر لهذه القصة أن تستمر، هل نظن أن لقاء الابنة بعبده المكوجي قد يدفع الأشقاء لإعادة النظر في بيع تاريخهم، أم أن الوفاء يظل "رزقًا" يختصُّ به اللهُ من يشاء من الأبناء؟

من وجهة نظري أن مكمن المأساة والواقعية في القصة، هي الشخصية المادية التي ترى العالم من خلال "لغة الأرقام" فقط، وبالنسبة للأشقاء، فإن "صينية طعام" أو "كلمة وفاء" من رجل بسيط كعم عبده لا تساوي شيئًا أمام حفنة من المال يجنونها من بيع الأرض. هذا الانقسام داخل الأسرة الواحدة يعزز من فرادة الابنة؛ فهي لم تكن فقط ابنة بارة، بل كانت "حارسة القيمة" الوحيدة في العائلة. ومن هنا ندرك أن الوفاءَ بالفعل رزقٌ واستحقاق، فليس كل من وَرَث "الدوَّار" وَرَث "القيم" التي قامت عليها جدرانه.

وأعتقد أن الابنة ستظل تعيش في عالمها الدافئ المحاط بدعوات أهل القرية، بينما سيظل الأشقاء في عالمهم الجاف، يملكون المال ويفتقدون "البركة" والأثر الذي تركه الوالدان.