سينما سعد الشرايبي تجوب مدن المغرب في جولة فنية غنية

مناسبة لإعادة قراءة تجربة مخرج آمن بأن السينما فعل مقاومة فكرية وجمالية.

يشكّل استعراض سينما سعد الشرايبي حدثاً فنياً وثقافياً معقولا، باعتباره تكريماً لمخرج بارز في المشهد السينمائي المغربي والعربي، ارتبط اسمه منذ ثمانينيات القرن الماضي بقضايا المجتمع وهمومه، وجعل من الشاشة الكبرى وسيلة للتأمل والنقد والتغيير. فسينماه تحفر في أسئلة المرأة المغربية، وجراح الذاكرة الجماعية، وتطرح موضوع التعايش بين الأديان، وتعيد قراءة صراع الأجيال والتطلعات الديمقراطية. ومن خلال هذه القضايا، تتحول أعماله إلى مرآة للواقع وفضاء للتفكير في التحولات الاجتماعية والثقافية التي طبعت المغرب والعالم العربي.

ويمتد الاستعراض عبر سبع مدن كبرى هي: الدار البيضاء، الرباط، سلا، تطوان، مراكش، فاس، ووجدة. وتشمل كل محطة برمجة متكاملة تتوزع بين عرض ثلاثة أفلام من أبرز أعمال الشرايبي، وتنظيم لقاء مفتوح مع الجمهور والنقاد، وتوقيع أحدث مؤلفاته الفكرية، إضافة إلى معرض فوتوغرافي يوثق أهم لحظات مسيرته الفنية. وهو برنامج يوازن بين البعد الفني والتوثيقي، وبين متعة المشاهدة وإغناء النقاش.

وتنطلق الجولة الأولى بالدار البيضاء بين الثاني والرابع من أكتوبر/تشرين الأول من المركب الثقافي أنفا بالدار البيضاء، بدعم من جمعية أنوارت للثقافة والفنون، إذ سيكون موضوع التسامح محوراً مركزياً لهذه المحطة، وانسجاماً مع هوية المدينة التي تمثل ملتقى للأديان والثقافات. وسيُعرض خلالها ثلاثة أفلام بارزة: "الميمات الثلاث، قصة ناقصة"، "إسلامور"، و"صمت الكمنجات".

ويتطرق فيلم "الميمات الثلاث"، قصة ناقصة، على مدى 120 دقيقة لعلاقة صداقة وحب تتحدى الاختلافات والهويات، من خلال حكاية "مليكة" و"مويس" و"ماثيو"، المسلم واليهودي والمسيحي الذين جمعهم نفس الحي ونفس الميلاد، ثم فرقتهم الأحداث السياسية قبل أن تعيد الأقدار جمعهم. ويستحضر الفيلم الذاكرة التاريخية التي مهّدت للربيع العربي، من قضايا الهجرة والنفط إلى النزاع العربي الإسرائيلي.

ويغوص فيلم "إسلامور"، في إشكالات الهوية والانتماء، مسائلاً علاقة المغاربة بالغرب، والصورة التي تتشكل عن الإسلام في سياق عالمي مضطرب. وهو عمل يضع أسئلة العيش المشترك في قلب النقاش السينمائي.

ويفتح فيلم "صمت الكمنجات" نافذة على التراث الموسيقي المغربي، وبالأخص فن الملحون المدرج سنة 2003 ضمن قائمة التراث اللامادي لليونسكو. ويروي الفيلم قصة العلاقة بين الجد العاشق للموسيقى التقليدية وحفيدته حفصة المولعة بالكلاسيكيات الغربية، في تجربة فنية تمزج بين الأصيل والمعاصر، وتنتهي بمقطوعة توحّد بين النمطين، في إشارة إلى حوار الأجيال وتلاقي الثقافات.

ويدعو هذا الحدث الفني الجمهور والباحثين إلى التفكير في دور السينما كأداة للذاكرة الجماعية ووسيلة للتحفيز على التحول الاجتماعي. فهو مناسبة لإعادة قراءة تجربة مخرج آمن بأن السينما فعل مقاومة فكرية وجمالية، قادر على إحياء النقاش حول قضايا التعايش، الحرية، والهوية.