معظلة الأصالة في الإعلام المغربي: حين تتحول الصحافة إلى نسخ ولصق
تعيش الساحة الإعلامية المغربية، في عصر التحول الرقمي المتسارع وظهور الصحافة التوليدية، أزمة وجودية حقيقية تهدد جوهر المهنة كالأخبار الأصلية والتحقيق الصحفي المستقل، فمع تزايد أعداد المنابر الإلكترونية وظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهل عملية إنتاج المحتوى، باتت ظاهرة النسخ واللصق وإعادة التدوير تستشري كالوباء، مهددة مصداقية الإعلام ودوره التنويري، إذ تحولت العديد من غرف التحرير إلى محطات لإعادة بث أخبار الآخرين، سواء كانت من منابر محلية أخرى، أو من وكالات الأنباء، أو حتى من مصادر إقليمية، في تكرار ممل وغياب شبه تام للبصمة المهنية والجهد الأصيل، وهذا مأزق أخلاقي ومهني عويص يطرح أسئلة جوهرية حول وظيفة الصحافة وهدفها الأساسي.
ويبرز الانتشار المخيف لظاهرة النسخ واللصق في العديد من المنابر الإعلامية الإلكترونية ضعفًا بنيويًا في محتواها وقدرتها على الإنتاج الذاتي، عوض من أن تقوم هذه المنابر بتشكيل هيئات تحرير متخصصة ومتمكنة تعمل على توليد قصصها الخاصة وإجراء تحقيقاتها الميدانية، تعمد إلى الاقتباس الحرفي والمباشر من بعضها البعض أو من منابر إعلامية عربية أخرى، غالبًا ما تكون ذات مستوى (أ) أو متوسط الجودة، ويُغيب هذا السلوك الهوية التحريرية المميزة لكل منبر، ويحوّل الفضاء الإعلامي الرقمي إلى ساحة للتكرار الممل حيث تكاد لا تجد فرقًا بين خبر وآخر، بينما يُكرس هذا النهج مبدأ الاتكالية على جهد الغير، ويُقلل من قيمة العمل الصحفي الذي يفترض فيه البحث عن المعلومة من مصدرها.
وتُفقد الصحافة الورقية، التي يفترض أن تكون قاطرة للجودة والعمق، الكثير من مكانتها عندما تلجأ بشكل متكرر إلى نسخ ولصق أخبار الوكالات بشكل حرفي. وتجد القارئ يطالع نفس الخبر، بنفس الصياغة والزوايا، في مختلف الصحف الصادرة، سواء كانت باللغة الفرنسية أو العربية، وهذا يجعل عملية شرائها مضيعة للوقت والمال، وتُبقي هذه الممارسة على الصحفي في خانة الناقل البسيط لأخبار تم إنتاجها خارج هيئة التحرير، وتلغي دوره كـمُحلل أو مُستقصٍ يضيف سياقًا أو زاوية مغربية خاصة للحدث. ويُفسد هذا التوحيد القسري للمعلومة التنافس الشريف بين الصحف، ويؤدي في النهاية إلى نفور الجمهور الذي يبحث عن تحليل إخباري فريد.
وتعتبر إعادة تدوير الأفكار والمجهودات الأصلية للآخرين، سواء كان ذلك بنسخ حرفي أو بإعادة صياغة بسيطة، عملًا فيه غش صريح وتعدٍ على أخلاقيات المهنة، إذ يبدأ هذا التعدي من السطو على ملكية فكرية لم تُبذل فيها جهد ذاتي، وينتهي بتضليل الجمهور وإيهامه بأن المحتوى نتاج جهد خاص، ويُسمى هذا السلوك، بكل بساطة، سرقة مجهودات الآخرين، وهو ينسف مفهوم المصداقية والثقة التي يجب أن تسود العلاقة بين الصحفي والقارئ.
وتُفترض في الصحفي الأصالة والنزاهة الفكرية، ويُعاقب قانونيًا وأخلاقيًا كل من يُحاول نسب عمل غيره لنفسه، بغض النظر عن الوسيلة المستعملة.
ويُعبّر النسخ واللصق المستمر عن فشل ذريع لهيئات التحرير في أداء وظيفتها الأساسية التي تقوم على البحث، والابتكار، والإبداع، والاستقصاء، والاستقلالية في العمل الصحفي، وتُختزل مهام الهيئة، بهذه الطريقة، في مجرد عملية فنية لـالنقل أو القص، ويصبح الصحفي أداة تقنية أو ناسخ، عوض أن يكون صانعًا للأخبار وراصدًا للأحداث.
ويتجسد الفشل عندما تغيب الروح النقدية والزاوية الخاصة التي يجب أن تميز كل منبر، ويتحول الصحفي إلى سارق لأفكار الآخرين، مُتخليًا عن مسؤوليته في التنقيب عن الحقيقة، ويُوجب هذا الوضع مراجعة عميقة لاستراتيجيات التوظيف والتدريب في المؤسسات الإعلامية.
ويُعجّل عصر الصحافة التوليدية بتعميق هذه الأزمة، حينما بات الكل متشابهًا بلا حسيب ولا رقيب في غياب قواعد أخلاقية ضابطة. ويُؤدي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لـتوليد المحتوى من مصادر موجودة مسبقًا إلى تفاقم مشكلة التكرار وغياب الأصالة، ويُحوّل الصحفي مرة أخرى إلى مدير لأدوات تقنية تنسخ وتلصق ما يدور في وكالات الأنباء ومواقع أخرى.
ويُطرح التساؤل: ما هو هدفهم ووظيفتهم الأساسية إذا كانت مهمتهم تقتصر على إعادة تدوير الأخبار؟ وتُصبح الصحافة في هذه الحالة صدى باهت للأحداث، مُهملة دورها الحقيقي في البحث عن القضايا الجديدة وتقديم محتوى إخباري قوي واستقصائي يخدم المصلحة العام