'رؤساء الدول' في حلبة الكوميديا السوداء والأكشن

المخرج إيليا نيشولر يبرز حسًّا هزليًّا في توجيه الحركة ويوظف عبثية السلطة عبر ثنائية متنافرة تجمع سينا وإلبا.

تدور أحداث فيلم "رؤساء الدول" للمخرج إيليا نيشولر حول الصراع بين رئيسي دولة ورئيس وزراء، يحاول كلٌّ منهم حماية بلده من المخاطر المختلفة، ولكن بمرور الوقت يصبح الثنائي هدفًا لعدو خطير، ليدفعهما للتعاون معًا في سبيل النجاة.

العمل من سيناريو جوش أبلبوم، وبطولة كل من: جون سينا، إدريس إلبا، بريانكا شوبرا، جاك كوايد، ستيفن روت، كارلا جوجينو.

وتعتاد أفلام الأكشن المعاصرة على تجاوز حدود المنطق، وغالبًا ما تقدم قصصًا مُبالغًا فيها دون أن تفقد جاذبيتها الجماهيرية، بينما جاءت قصة "رؤساء الدول" لتعزف على وتر هذا النوع من السينما، مقدّمةً مغامرة صاخبة تجمع بين جون سينا وإدريس إلبا في قالب يجمع الكوميديا بالسياسة والخيال الحركي.

ويعتمد السيناريو على مفارقة جوهرية منذ بدايته، تتجلى في رئيس أمريكي سابق في عالم السينما، لعب دوره جون سينا،  الذي يتولى السلطة ورئيس وزراء بريطاني، لعب دوره إدريس إلبا، ذو خلفية استخباراتية عسكرية، يعاني من تراجع شعبيته، إذ يكشف هذا التناقض عن محاولة ساخرة لتصوير السياسة كامتداد لهزلية هوليودية لا تخلو من عبثية.

ويُسند الفيلم لجون سينا دور "ويل ديرينغر"، الرئيس الجديد القادم من عالم السينما، ليبرز ظاهرة تحول نجوم الشاشة إلى قادة سياسيين، وهي إشارة واضحة إلى الواقع الأمريكي المعاصر، أما شخصية إدريس إلبا "سام كلارك"، فتُجسد زعيمًا عسكريًا تقليديًا ساخطًا وجامد الملامح، يعيش إحباطات السلطة في ظل أزمة دبلوماسية خانقة.

ويرتكز البناء الدرامي في السيناريو على الصراع الدفين بين الشخصيتين، كاحتقار متبادل مُقنّع بالسخرية، سببه اختلاف الطباع والتجارب، إذ تتجلى كل المشاهد في توظيف هذا التوتر في قلب الحدث، كرحلة مشتركة على متن طائرة إير فورس وان تتحول إلى ساحة مواجهة، ثم إلى تحالف اضطراري عقب حادث اختطاف الطائرة، ليمنح إيقاع الفيلم ديناميكية خاصة.

ويستثمر كاتب السيناريو تقنية الصديق العدو، وهي حيلة درامية قديمة لكنها فعالة حين تُنفّذ بذكاء؛ فبدلًا من المصالحة السريعة، يترك السيناريو مساحة لصراع لفظي ونقد متبادل ومواقف ساخرة قبل أن يضطر الطرفان إلى التعاون للبقاء على قيد الحياة، وتُحوَّل السخرية السياسية هنا إلى وسيلة للتركيز على سذاجة الإعلام، وهشاشة العلاقات الدولية، وعبثية التحالفات في عالم يزداد تعقيدًا.

ويُظهر المخرج إيليا نيشولر، الذي سبق له إخراج "نوبودي"، ذكاء كوميديًا في إدارة مشاهد الأكشن، عندما استخدم لقطات طويلة ومؤثرات حركية متقنة لجعل المغامرات نابضة بالتشويق، فمشهد تحطم الطائرة ثم القفز بالمظلات في قلب أوروبا، يُعد من أبرز لحظات الفيلم، إذ يجمع بين الهزل والدهشة. ولعل مشهد المطاردة الذي تُستخدم فيه سيارة الوحش الرئاسية في معركة شبه حربية، يُجسد رؤية المخرج في تقديم عنف غير دموي يحمل طابعًا هزليًا لا يُنفر المشاهد.

ويرجّح السيناريو كفة الحركة على حساب البناء الكوميدي، خصوصًا في منتصف الفيلم؛ فـ"رؤساء الدول"، رغم محاولاته التشبّه بروائع مثل "تروبيك تاندر" أو "شباب لطفاء"، لا يُحسن استغلال المواقف الكوميدية بما يكفي، وغالبًا ما يترك النكات معلّقة دون تتويج.

ويمنح تكوين اللقطات بعض الشخصيات الثانوية مساحة لسرقة الأضواء. فبريانكا شوبرا جوناس تتألق بدور "نُويل بيسيه"، العميلة البريطانية السابقة والحبيبة السابقة لرئيس الوزراء، إذ تُجسد نموذج المرأة الخارقة بأسلوب خفيف وسلس دون تهويل أو مبالغة، بينما يظهر جاك كوايد في دور متخصص الأسلحة داخل ملجأ سري تابع للمخابرات، ويضيف لمسة من الجنون اللطيف إلى السرد.

ويتجنب الفيلم الانزلاق إلى خطاب سياسي مباشر، لكنه يُمرر بعض التلميحات الذكية، خصوصًا في تعليقات إدريس إلبا الساخرة حول قوة الرئيس المصطنعة أو لجوئه إلى التظاهر بأنهم كنديون لتجنّب التعقيدات السياسية في أوروبا، وهذا النوع من السخرية يبرز عمقًا غير مباشر على الأحداث، ويجعل الفيلم ينتقد الوضع العالمي بأسلوب مرح دون استفزاز.

وتصل العلاقة بين الزعيمين في نهاية الفيلم إلى نوع من التفاهم العملي، حينما لا تتحول الصداقة إلى عاطفة سطحية، فتبقى مشروطة بالضرورة، بينما تبين متتالية المشاهد مصالحة رمزية بين عالمين متناقضين: التقاليد السياسية والعصر الإعلامي الهش، وتُعيد هذه المصالحة التذكير بفكرة محورية، فرغم اختلاف العقليات، يمكن للخصوم أن يُنقذوا العالم إذا اجتمعوا على هدف مشترك.

ويُجسد فيلم "رؤساء الدول" محاولةً مسليةً لاستحضار روح أفلام الثمانينيات عبر قالب عصري يعتمد على ممثلَين يتمتعان بكاريزما لافتة، حتى لو أن السيناريو يُعاني أحيانًا من ضعف في الكوميديا وتكرار في الحوارات، إلا أنه يظل عملًا ممتعًا، خصوصًا لعشاق الأكشن الخفيف والساخر.