المغرب في زمن محمد السادس: من شرعية التاريخ إلى شرعية التحول
في عالم يضيق فيه الأفق السياسي وتتسارع فيه الأزمات وتُستنزف فيه الثقة في المؤسسات، يظهر المغرب كاستثناء صامد، لا بفضل المصادفة الجغرافية أو التوازنات الدولية، بل بقيادة سياسية عرفت كيف تصنع المعنى من الاستقرار، والمستقبل من التحديات، فبعد ستة وعشرين عاما من تولي العاهل المغربي الملك محمد السادس مقاليد الحكم، يبدو أن المملكة المغربية تدخل مرحلة جديدة من نضجها السياسي ونموذجها الوطني الخاص، متسلحة بشرعية لا تُستمد فقط من التاريخ، بل من عمق التحول الذي عرفته البلاد في أقل من ثلاثة عقود.
ليس من السهل في دول الجنوب أن تُحدث التغيير دون أن تهزّ أسس الدولة وليس من السهل أيضًا أن تحافظ على الاستقرار دون أن تسقط في الجمود، لكن المغرب، في زمن محمد السادس، استطاع أن يفعل الأمرين معا: أن يُصلح بنياته الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، دون أن يُقايض الاستقرار بالإصلاح أو التنمية بالهوية.
بين السقف العالي للتوقعات وسقف الممكن السياسي
لقد وُوجه هذا العهد، منذ بدايته، بسقف عال من الانتظارات: دولة حديثة، عدالة اجتماعية، موقع إقليمي فاعل، ومكانة اقتصادية بين الكبار وهي رهانات لم تكن سهلة في بيئة إقليمية موسومة بالاضطراب، وداخل مجتمع متنوع المطالب والحساسيات، غير أن ما حدث فعليًا هو بناء تدريجي لهندسة مغرب جديد، بهدوء استراتيجي، وبأناة رجل دولة يدرك أن التغيير الحقيقي لا يكون بردود الأفعال، بل بإعادة رسم المسارات.
تم ذلك عبر إصلاحات هيكلية لم تكن شعبوية أو آنية، لكنها كانت ضرورية: من مدونة الأسرة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومن تعميم الحماية الاجتماعية إلى إطلاق الجهوية المتقدمة، ومن استراتيجية الانتقال الطاقي إلى توطين السيادة الصناعية. هذا البناء المتراكم لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بمؤشر الثقة المتزايدة في قدرة المغرب على إدارة نفسه بنفسه، والانفتاح على العالم دون أن يفقد هويته.
الملكية الإصلاحية: حين تقود المؤسسة روح التجديد
في أغلب النماذج السياسية، يكون التحديث في صراع مع السلطة التقليدية. أما في النموذج المغربي، فالمؤسسة الملكية هي من قادت مشروع التحديث، بل ومنحته شرعيته الأوسع، فقد استطاع الملك محمد السادس أن يُحوّل المؤسسة الملكية من رمز فقط إلى فاعل مركزي في التغيير، دون أن يتخلى عن جذورها الدينية والتاريخية. هذه القدرة على الجمع بين الرمزية والفعالية، بين الشرعية التاريخية والمشروعية الإنجازية، هي ما يُميز التجربة المغربية عن غيرها في العالم العربي.
دبلوماسية الحزم والتوازن: سياسة خارجية بحجم الطموح الوطني
لم يكن المغرب، قبل عقدين، يُحسب ضمن الدول المؤثرة في محيطها الإفريقي والمتوسطي والدولي. أما اليوم، فإن الدبلوماسية المغربية، بقيادة ملكية واضحة، أصبحت نموذجًا في التحرك الذكي، المدروس، غير الصدامي. وقد برز ذلك بجلاء في ملف الصحراء المغربية، حيث نجح المغرب في إحداث تحولات جذرية في المواقف الدولية، بل وفي فرض قراءة جديدة تنقل النقاش من مربع النزاع المفتعل إلى أفق الحل الواقعي، عبر مقترح الحكم الذاتي.
نحو مغرب المستقبل: لا وقت للاحتفال… بل للبناء المتواصل
الاحتفاء بمرور 26 سنة على اعتلاء العرش ليس لحظة مجاملة ولا مناسبة بروتوكولية. إنها فرصة لتأمل تحولات المغرب بعيون استراتيجية، وإدراك أن ما تحقق ليس خط النهاية، بل أرضية انطلاق جديدة. فما ينتظر المغرب في السنوات المقبلة هو رهان أكبر: تثبيت موقعه كقوة صاعدة، تعزيز العدالة الاجتماعية، وإنجاح الانتقال الرقمي والبيئي في عالم لا يرحم المتأخرين.
لقد دشّن الملك محمد السادس مسارًا لا رجعة فيه. مسارًا يربط بين الإصلاح والهوية، بين التنمية والكرامة، بين التاريخ والمستقبل. ومن هنا، فإن الرهان لم يعد فقط الحفاظ على المكتسبات، بل تجديد طاقة التحول وإعادة تعريف الطموح الوطني بما يليق بمغرب يطمح أن يكون في قلب القرن 21، لا في هامشه.