لطفي آيت الجاوي: الإدمان الرقمي سرطان العصر
يحمل المخرج المغربي لطفي آيت الجاوي همًّا فنيا واجتماعيا في كل أعماله، ويبدو أن الإدمان الرقمي أصبح أحد أبرز القضايا التي تشغله، بعد أن عالجها في فيلمه السينمائي "روتيني"، وها هو يعود بفيلم تلفزيوني جديد يحمل عنوان "مودافيون".
ويتحدث في هذا الحوار مع موقع "ميدل إيست أونلاين" عن فكرة الفيلم وخلفياته الاجتماعية، وتجربته مع الأطفال والشاشة الصغيرة، دون أن يغفل الحديث عن استمرار عرض فيلمه السينمائي السابق في القاعات المغربية، وفي ما يلي نص الحوار:
يحمل فيلمك الجديد عنوان "مودافيون"، ما الذي دفعك لاختيار موضوع الإدمان الرقمي كقضية رئيسية؟
ما نعيشه اليوم هو واقع مقلق، خاصة في ما يتعلق بالأطفال والمراهقين، الذين أصبحوا شبه منفصلين عن محيطهم الحقيقي بفعل انغماسهم في الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، فالإدمان الرقمي تحول إلى عائق حقيقي أمام تطورهم الدراسي والاجتماعي، لذلك شعرتُ بأن هذا الموضوع يستحق المعالجة، لكن من زاوية إنسانية وداخل إطار درامي مغربي قريب من الناس.
ما هي حبكة الفيلم وكيف تُجسد هذه الفكرة على المستوى الدرامي؟
يحكي الفيلم قصة عائلة مغربية تلجأ إلى حيلة ذكية لإنقاذ طفليها "طه" و"هبة"، من الإدمان الرقمي، بعد أن لاحظت تراجع مستواهما الدراسي، وانسحابهما من الحياة الاجتماعية، إذ تقرر العائلة أن تدعي وقوع أزمة مالية، وتنتقل للعيش مؤقتا في الريف عند سيدة مسنّة تعرف بصرامتها، تُدعى "مي طامو"، وهناك يُجبر الطفلان على التأقلم مع حياة بسيطة خالية من الإنترنت والتكنولوجيا، ليخوضا تجربة قاسية في بدايتها لكنها تتحول تدريجيا إلى مساحة للنمو والوعي.
كيف كانت تجربة الطفلين في الفيلم؟ وهل تعتقد أنها تمثل واقعا يمكن تحقيقه؟
نعم، حاولت أن أجعل تجربة "طه" و"هبة" واقعية ومبنية على تحولات نفسية تدريجية، فبعد صدمة الانفصال عن العالم الرقمي، يبدآن في اكتشاف الجمال في الطبيعة، في العلاقات الإنسانية، وحتى في الأعمال اليومية التي كانت بالنسبة إليهما بلا معنى، وفي النهاية يُفاجئان والديهما برغبتهما في الاستمرار في العيش مع "مي طامو" حتى نهاية العطلة، وقد توصلا بأنفسهما إلى أهمية الاعتدال في استخدام التكنولوجيا.
هل ترى أن الفيلم يقدم حلولا عملية؟ أم هو فقط محاولة لطرح الأسئلة؟
يطرح العمل مقاربة تربوية واجتماعية واقعية، مبنية على قيم مغربية أصيلة، فصحيح أنه لا يدّعي تقديم وصفة جاهزة، لكنه يقترح حلا بسيطا، أي إعادة ربط الطفل بعالمه الحقيقي، بالطبيعة وبالمسؤولية وبالحب العائلي الصارم أحيانا، وأظن أن في ذلك دعوة للتفكير الجماعي في الطريقة التي نترك بها أبناءنا يضيعون أمام الشاشات دون رقيب.
هل من تفاصيل عن طاقم العمل والممثلين المشاركين في الفيلم؟
يشارك في هذا العمل مجموعة من الأسماء اللامعة، كمنى فتو وعزيز الحطا، وسعاد العلوي ولينا أكدور ومهدي بشتاوي، وغيرهم من الفنانين الذين أبدعوا في تجسيد الشخصيات ببعد إنساني وواقعي.
سبق أن تناولت موضوع الإدمان على السوشيال ميديا في فيلمك "روتيني"، هل يمكن القول إن "مودافيون" امتداد لذلك؟
إلى حد ما نعم، فـ"روتيني" كان يتناول كيف يمكن لامرأة بالغة أن تقع في فخ الشهرة الزائفة، من خلال عرض تفاصيل حياتها اليومية على الشبكات، وتأثير ذلك على أسرتها، بينما "مودافيون" يركز على الأطفال والبعد التربوي، فالموضوع واحد، لكن الزاويتين مختلفتان. وللعلم، فيلم "روتيني" لا يزال يُعرض في القاعات السينمائية رغم مرور أشهر على إطلاقه، في وقت تغادر فيه أفلام كثيرة بسرعة، وهذا بالنسبة إلي إشارة إلى تفاعل الجمهور مع الموضوع.
هل تعتبر أن القرى المغربية ما تزال قادرة على لعب دور علاجي في تربية الأجيال الجديدة؟
بكل تأكيد، فالقرى هي مجتمعات تربوية تحتوي على القيم الأساسية، مثل الاحترام والصبر والانضباط والمشاركة. وفيلم "مودافيون"، هو عودة إلى الجذور، إلى البساطة التي نفتقدها في زحمة المدن والشاشات.
ما هي رسالتك الأخيرة للمشاهد المغربي من خلال هذا العمل؟
رسالتي بسيطة، دعونا لا نغفل عن أطفالنا، ولا نتركهم فريسة للشاشات دون توجيه، لنخلق مساحات للحوار وللتجربة المشتركة وللحب الصارم. والتكنولوجيا أداة وليست حياة، وهذا ما أحاول إيصاله من خلال "مودافيون".

