كتّاب السيناريو الدرامي وتفكيك القيم
تشهد الساحة الدرامية والسينمائية المغربية تحولات مكشوفة في مضمون السيناريوهات المطروحة، فلم يعد الأمر يقتصر على حبكات الترفيه أو معالجة قضايا اجتماعية واقعية، إنما بات كثير من كتّاب السيناريو يسلكون مسارات فكرية منظمة، تضع الأسرة التقليدية والقيم الأخلاقية في مواجهة مباشرة مع مفاهيم الحرية الفردية بصيغتها المتطرفة، ويجد هذا التوجه دعمًا من لجان اختيار الأفلام التلفزيونية التي تسمح بمرور هذه الأعمال على الشاشات، ومن الرقابة السينمائية التي تتشدد في مجالات معينة لكنها تتساهل في تمرير المحتوى الذي يضعف الروابط الاجتماعية ويطبع صورًا دخيلة على المجتمع المغربي.
ويدفع كتّاب السيناريو نصوصهم في السنوات الأخيرة نحو أجندات فكرية واجتماعية بعيدة عن روح المجتمع المغربي، حينما تتكرر قصص النسوية، واستقلال المرأة عن محيطها الأسري، وتشجيع الأبناء على التمرد على الوالدين، وصولًا إلى تطبيع الخيانة الزوجية تحت مسمى الحرية الشخصية، ويغلف هؤلاء هذه الرسائل في حبكات عاطفية أو درامية تجعل المشاهد يتعاطف مع السلوكيات المرفوضة بدل أن يرفضها.
وتسمح اللجان التلفزيونية للأجهزة المكلفة بمراجعة المحتوى قبل بثه بمرور هذا النوع من النصوص بسهولة، وكأنها ترى فيه تعبيرًا مشروعًا عن الواقع، بينما تتشدد أمام الأعمال التي تدعو إلى التمسك بالقيم الأسرية، أو التي تحتفي بالعائلة المغربية الممتدة المكونة من الجد والجدة، والأب والأم، والأخوال والعمات، وأبناء الإخوة والأخوات، وتمنع هذه الأعمال بحجة أنها لا تعكس المجتمع العصري، في تناقض صارخ مع وظيفتها الأصلية.
ومن جهتها، تواجه السينما المغربية أيضا مفارقة أكبر، إذ تخضع لأشد أنواع الرقابة الرسمية في كل ما يتعلق بالقضايا السياسية أو الرموز الوطنية أو المظاهر الدينية، لكنها تمرر بسهولة أفلامًا تجسد الفردانية المفرطة، وتكسر القيم الأسرية، وتقدم العلاقات المحرمة أو الخيانة الزوجية في صورة رومانسية أو بطولية، عندما تفرض هذه السينما نمط حياة مستورد، يقدمه المخرج وكأنه طبيعي في المجتمع المغربي، بينما هو في الواقع مصطنع ومدعوم بتمويلات ومهرجانات تتبنى هذا الخطاب.
وتستغل بعض المسلسلات هذه المساحة المفتوحة لتمرير رسائلها، فتُظهر الأب ضعيفًا أو قاسيًا، والأم عاجزة أو متسلطة، والأبناء أذكى وأكثر تحررًا من والديهم، وتعيد كتابة صورة العائلة المغربية لتصبح مجرد مسرح للصراعات الشخصية، في حين الواجب أن تكون حاضنة للقيم والحب والاحترام، وتستخدم هذه الأعمال تقنيات التشويق والحبكات المتشابكة لتجميل هذه الصور المشوهة، بحيث يستهلكها الجمهور دون أن يدرك حجم التغيير الذي يتسلل إلى وعيه.
وتعمل هذه المنظومة من كاتب السيناريو إلى الشركة المنتجة التلفزيونية إلى الرقابة السينمائية، كشبكة متكاملة تعيد تشكيل الذوق العام ووعي الأجيال، وحين تتساهل هذه الأطراف مع المحتوى الذي يضعف الهوية الجماعية، وتشدّد على المحتوى الذي يعززها، فإنها تساهم في إعادة صياغة المجتمع على مقاسات فكرية لا تمت بصلة بالضرورة إلى تاريخه وثقافته.
إننا للأسف لم نعد نشاهد دراما يحترم فيها الرجل والأب والأخ والزوج والدين، وتقدس فيها الأسرة المغربية، ومثلها لمهزلة السينما التي لم تجد فيها مواضيع تخدم تاريخ المغرب بثقافته الشعبية وبهويته الاجتماعية إلا أفلام على رؤوس الأصابع.