التطوّع: السياسة بلغة الفعل.. تجربة حزب الاستقلال نموذجًا

حين يتحول الحزب إلى قوة مجتمعية فاعلة، تصبح المواطنة عملاً يوميًّا والسياسة خدمة ملموسة.

في لحظة يزداد فيها فراغ الثقة بين المواطن والمؤسسات التقليدية، باتت الأحزاب مطالبة بخيارَين لا ثالث لهما: التمسّك بخطابات قديمة أو الانتقال إلى فعل يعيد للاقتداء السياسي بُعده الاجتماعي والإنساني. من هذا المنطلق، تبرز تجربة حزب الاستقلال حين اعتمد مبادرة تطوعية شاملة كأداة استراتيجية لإعادة بناء هذه الثقة - ليس شعارًا على ورق، بل ممارسة ميدانية تقوّض مسافة الانفصال بين الرأي السياسي واحتياجات الناس اليومية.

التطوع هنا لا يُقاس بالعناوين الإعلامية وحدها، بل بقدرته على تحويل الخوف من السياسة إلى أمل بالمشاركة، وتحويل الانسحاب المدني إلى انخراط منتج. قوافل طبية دخلت مناطق كانت الخدمات الصحية فيها محدودة، وورشات تكوين مكنت شبابًا من مهارات تأسيس المشاريع، ومبادرات ثقافية وبيئية أعادت النسيج الاجتماعي إلى أحياء طالتها إهمالات بنيوية - هذه ليست مجرد أنشطة منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد: ربط العمل الحزبي بخدمة المواطن وإعداد أرضية لتجارب مجتمعية مستدامة.

التطوع كأداة لإعادة هندسة العلاقة بين المواطن والحزب

التطوع، عندما يُدار برؤية واضحة، يقوم بوظائف استراتيجية ثلاثية: يسترد الثقة عبر الحضور الميداني، يولّد رأس مال اجتماعي بتعبئة الطاقات المحلية، ويخلق منصات لاكتشاف قيادات مدنية قابلة للانتقال إلى العمل العام. الشباب، على سبيل المثال، لا يبحث بالضرورة عن مقعد في تراتب حزبي تقليدي، بل عن فضاءات تتيح له أن يكون فاعلًا وهنا يكمن المفتاح الذي فتحه المشروع الاستقلالي: منح مأوى للمبادرة الذاتية داخل بنية حزبية حاضنة.

من المبادرة إلى سياسة: آليات الاستدامة

ليس كافياً أن تُنظَّم أيام تطوعية هنا أو هناك؛ المطلوب تحويل التجربة إلى سياسة مؤسساتية. هذا يعني:

إرساء إطار مؤسسي يضم ميثاقًا للعمل التطوعي يحدد الحقوق والواجبات والآليات التشريعية والدعم المؤسسي.

منصات رقمية لتنسيق المتطوعين وإدارة المشاريع وقياس الأثر بلحظته.

حاضنات ومراكز دعم توفر تمويلًا مبدئيًا وتكوينًا تقنيًا للمبادرات الوليدة.

شراكات استراتيجية مع جمعيات، قطاع خاص، ومؤسسات عمومية لضمان استدامة الموارد وتأثير البرامج.

آليات تقييم شفافة تقيس المؤشرات النوعية والكمّية وتعرضها سنويًا للرأي العام.

كيف نقرأ الأثر؟ مؤشرات أداء عملية

لقياس ما إذا كانت المبادرة تحولت إلى سياسة حقيقية، يجب أن تُقاس نتائجها بمؤشرات واضحة مثل: عدد المتطوعين النشطين، المشاريع التحويلية المنشأة (مقاولات صغيرة/جمعيات محلية)، عدد المستفيدين من خدمات صحية وتعليمية، معدلات اندماج المستفيدين في سوق العمل أو التعليم، ومستوى رضا المجتمع المحلي عبر استبيانات منتظمة. الشفافية في العرض هنا جزء لا يتجزأ من بناء الثقة مجددًا.

العائد السياسي والاستراتيجي

سياسيًا، يؤدي هذا المسار إلى فوائد ملموسة: تجديد القاعدة الحزبية عبر دمج عناصر شبابية مبتكرة، تعزيز مصداقية الحزب كمؤسسة قادرة على تقديم حلول، وتحسين القدرة على صياغة سياسات عمومية مبنية على معطيات ميدانية. لكن الأهم من المكسب الانتخابي هو أن الحزب يثبت أنه فاعل اجتماعي قبل أن يكون فاعلًا انتخابيًا وهذا في حد ذاته استثمار طويل الأمد في الشرعية الوطنية.

تجربة حزب الاستقلال تؤكد أن تحويل المبادرات التطوعية إلى سياسة يتطلب تصميمًا مؤسسيًا، أدوات قياس، وشراكات بعيدة المدى. التطوع ليس بديلاً عن الدولة، بل هو شريك فعّال يعزز قدرات المجتمع المدني والدولة معًا. على الأحزاب الأخرى الانتباه: المستقبل لمن يشتغل بالأفعال لا بالأقوال.

الفعل الميداني هو اللغة الجديدة للسياسة… وحزب الاستقلال يتحدثها بطلاقة.