افلام سينمائية مغربية تغازل لجان الدعم بدل الجمهور

السينما في المملكة تعيش أزمة هوية فنية بعدما تحولت أغلب إنتاجاتها إلى مشاريع مصممة خصيصًا لاسترضاء الممولين مكرّسةً مواضيع نمطية كالأقاليم الجنوبية والأمازيغية وقضايا المرأة والاطفال ذوي الاحتياجات.

تسود في الأفلام المغربية الأخيرة توجّهات إنتاجية موجهة نحو اختيار المواضيع وفق توقعات الدعم، أكثر من البحث عن رؤية فنية أو لغة سينمائية أصيلة، إذ يخضع التخطيط السينمائي لدراسة سلوك لجان التمويل، فتظهر الأقاليم الجنوبية، والأمازيغية، وقضايا المرأة، والاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، كمواضيع مضمونة التمويل.

تؤثر هذه الممارسة على شكل الأفلام، فتتراجع لغة الصورة، ويصبح الهدف الرئيسي الحصول على المنحة، عوض إنتاج تجربة فنية متكاملة.

ويستثمر بعض صناع السينما المغربية ملف الأقاليم الجنوبية، فيصوّر الجنوب كخلفية جاهزة للتمويل، متجاهلين الأبعاد الثقافية والتاريخية للمكان داخل المملكة المغربية.

ويقدّم الكثبان الرملية، والمنازل التقليدية، والزي الشعبي كأسيسوارات سطحية، فتغيب الشخصيات الثقافية والهويات المحلية.

وتخلق هذه المعالجة صورًا جذابة بصريًا، لكنها غير قادرة على توليد الإحساس بالمكان أو قوة التفاعل الإنساني الصادق.

وتتحول السينما إلى توثيق بصري أكثر من كونها تجربة فنية متكاملة، فتفقد القدرة على سرد قصة المكان بصريًا ورمزيًا.

ويستثمر بعض المخرجين المواضيع الأمازيغية للحصول على دعم يضمن التمويل، فتتحول اللغة والثقافة إلى عناصر شكلية إضافية.

ويعالج البعض الأمازيغية كرمز ثقافي، متجاهلين قدرتها على تشكيل صراع داخلي أو إيحاء رمزي ضمن النص السينمائي.

وينجح عدد محدود من الأفلام في تقديم الأمازيغية كلغة بصرية وفكرية قادرة على توجيه الحوار السينمائي، بينما تبقى أغلب الأعمال سطحية، ناقصة في الرؤية والعمق الفني.

ويطرح بعض المخرجين قضايا المرأة وذوي الاحتياجات الخاصة والأسرة بأسلوب مباشر، فتتحول معاناة الشخصيات إلى وسيلة لإثارة التعاطف، وليس أداة لإنتاج دراما متكاملة.

ويصبح الحوار والإرشادات الشكلية محور الفيلم، فتغيب لغة الصورة والرمزية البصرية. وتتحول الكاميرا إلى أداة نقل للوقائع، عوض وسيلة لرؤية جديدة، فتتراجع القدرة على خلق تجربة سينمائية متكاملة.

ويفقد بعض المخرجين الإحساس بقيمة الصورة كأداة للتفكير والتأثير.

ويستبدل الحوار والحركة الإيقاعية بالخطاب التوعوي، فتتراجع اللغة السينمائية، ويختزل الفيلم إلى وصف مباشر للموضوع، دون قدرة على خلق جو درامي أو إيحاء بصري.

وتتحول هذه الأعمال إلى خطاب الدعم، وتغيب التجربة الفنية التي تعكس رؤية المخرج وقراءة المجتمع، بينما تخلق هذه الممارسات سينما مخصصة للجان التحكيم، فتصبح جودة الفيلم مرتبطة بالقدرة على الحصول على التمويل.

وتستند معظم المشاريع إلى معايير الإدارة والتكرار، مكان البحث عن التجريب والإبداع. وتفقد لغة الصورة القدرة على الاتصال بالمتفرج وإحداث أثر دائم. بينما تفرض هذه الظاهرة تساؤلات حول استقلالية السينما المغربية وقدرتها على الاستمرار دون الدعم، إذ تتوقف معظم المشاريع عند انقطاع المنحة، فيبرز من يمتلك شغف الصورة ومن يعتمد على التمويل فقط.

ويستثمر بعض المخرجين القدرة على الإنتاج المستقل، فيثبت أن الرؤية والإبداع لا تحتاج إلى دعم دائم، وتظل قوة اللغة السينمائية حية رغم الظروف المادية. وتتطلب المرحلة المقبلة إعادة نظر في فلسفة الدعم السينمائي، بحيث يُمنح التمويل للأعمال التي تقدم لغة بصرية مبتكرة ورؤية سردية جديدة.

وتدعم السياسات الجديدة التجريب والإبداع، وتوجه المشاريع التي تحاكي الجمهور وتخلق حوارًا بصريًا وفنيًا حقيقيًا، عوض الاستمرار في تكرار الموضوعات التقليدية لضمان المنحة.

ويبرز دور المركز السينمائي كمحفز للإبداع لا كأداة لإدارة الإنتاج، فتستعيد السينما المغربية هويتها وتوازنها الفني، ويتحمل المخرج مسؤولية العودة إلى التجربة السينمائية الحرة، ويستثمر في لغة الصورة كتجربة إبداعية متكاملة.

ويولد الفيلم قوته حين ينطلق من الرؤية لا التمويل، وتصبح اللغة البصرية أداة للتفكير والتأثير، فتستعيد السينما قدرتها على الاتصال بالمتفرج وإحداث أثر دائم.

ويبرهن التجريب والاعتماد على اللغة البصرية أن السينما المغربية تستطيع التميز، حتى في غياب دعم مستمر، حين يتحلى المخرج بالجرأة والرؤية الواضحة.

وتؤكد تجربة هذه السنوات أن الأفلام التي تنتج وفق آليات الدعم غالبًا ما تتوقف عند الانتهاء من المنحة، فيختفي الكثير من المخرجين الذين اعتمدوا على التمويل فقط، بينما يستمر من يملك استقلالية الرؤية ويستثمر لغة الصورة لإيصال قصصه.

وتولد هذه التجربة فحصًا حقيقيًا لقدرة المخرج على تجاوز العقبات المادية، فيصبح الإبداع هو المحرك الأساسي وليس الدعم المالي.

تختتم السينما المغربية فصلها الجديد حين تعيد الاعتبار للصورة كلغة أساسية، وتنتج أعمالًا تعكس الواقع والمجتمع بطريقة حسية وفكرية، فتولد أفلام جديدة توضح أن الفن الحقيقي يعيش في الرؤية والإبداع، ويستمر بالقدرة على إيصال المعنى دون انتظار المنحة أو رضا اللجنة.

ويتجدد الجيل السينمائي المغربي على أساس لغة الصورة، ويثبت أن التمويل وسيلة وليست غاية، وأن قوة الفيلم تكمن في القدرة على التعبير والإبداع لا في الاستجابة لمعايير الدعم فقط.