الوصل والفصل بين إيران ولبنان

إيران وجدت في الأجواء الراهنة فرصة من أجل تعديل معادلة الردع التي قبضت إسرائيل على جزء كبير من مفاصلها.

أكدت الضربات التي وجهتها إيران إلى إسرائيل والعكس، صعوبة الفصل بين طهران وبيروت، وأن محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما الحكومة اللبنانية للفصل بين المسارين باءت بالفشل حتى الآن. الصواريخ التي وجهتها طهران إلى شمال إسرائيل جاءت عقب تحذير بعدم استهداف الضاحية الجنوبية في بيروت، وأن ضربها يستوجب ردا إيرانيا عليها، وهوما حدث مساء الأحد.

نفذت طهران تهديدها فعليا. لكن لماذا صمتت على ضربات سابقة وجهتها إسرائيل نحو الضاحية، لماذا لم تطلق تهديدا أو تحذيرا قويا من قبل، وما هي الدوافع الحقيقية التي قادت طهران إلى رفع صوتها عاليا في مواجهة إسرائيل هذه المرة؟

تحمل الخطوة الإيرانية الكثير من المعاني السياسية والتحولات الأمنية. هي تأكيد للوصل بين طهران وبيروت، وقطع للفصل الذي حاولت مفاوضات واشنطن بين وفدين من لبنان وإسرائيل ترسيخه. أرادت إيران الإيحاء بجاهزيتها العسكرية، وأن دخول المفاوضات مع واشنطن لا يعني التخلي عن الاستعداد للحرب المباغتة.

 بدت إيران على يقين من أن عمليات إسرائيل في جنوب لبنان واحتلال أجزاء واسعة منه، كذلك توجيه ضربات نحو الضاحية الجنوبية، حظيتا بضوء أخضر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أظهر حرصا على قرب التوقيع على اتفاق مع إيران.

وجدت إيران في الأجواء الراهنة فرصة من أجل تعديل معادلة الردع التي قبضت إسرائيل على جزء كبير من مفاصلها. هذه أول مرة تبادر فيها إيران لاستهداف إسرائيل منذ التفاهم مع الولايات المتحدة على وقف إطلاق النار في السابع من أبريل/ نيسان الماضي. ما يعني أنها مستعدة لاستئناف الحرب وعدم قصر أهدافها على ما تسميه المصالح الأميركية في دول الخليج العربي. ثمة مرحلة جديدة تسعى فيها طهران إلى عدم الانتظار كي يرتب آخرون لها وضعها الإقليمي ويمنحون إسرائيل مركزا قويا فيها على حساب إيران الطامحة لتعظيم دورها بعد الحرب.

مع أن التصريحات الأولى للرئيس ترامب على ضربات إيران مساء الأحد، بدت منضبطة إلى حد كبير، ولم يكن راغبا في الرد لتحاشي منح طهران فرصة للربط بين مسارها ومسار بيروت، غير أن الضربات الإسرائيلية عززت رؤية طهران في الوصل بينهما، كأن تحذيراتها السابقة على استهداف الضاحية الجنوبية الغرض منها تفشيل مخطط واشنطن في الفصل، وأي صفقة بين الجانبين لن يُستبعد منها لبنان. 

هذه معضلة لإسرائيل أكثر من الولايات المتحدة. الأولى بنت تصوراتها على حيوية الفصل وأهمية العمل من خلاله، والانفراد بلبنان بعيدا عن إيران. بينما كانت تصرفات الثانية (الولايات المتحدة) حريصة على جر بيروت بعيدا عن طهران بشتى الطرق، بلا تضحيات مزايا تقدمها واشنطن إلى لبنان. 

لم يمنع إعلان الرئيس ترامب عن وقف إطلاق النار في لبنان منح إسرائيل ما يوصف بـ"حق الدفاع عن النفس" في أي وقت، وهي جملة مطاطة أو ثيمة تقدمها واشنطن إلى تل أبيب دائما كذريعة لتوجيه ضرباتها ضد حزب الله عند الحاجة إليها.

نجحت طهران بقفزة/ ضربة عسكرية في خلط أوراق الولايات المتحدة. ليس فقط من حيث الوصل والفصل، لكن في وضع واشنطن في موقف حرج. إذا أعلنت تضامنها صراحة مع إسرائيل وقامت بتوجيه ضربات مشتركة نحو إيران تجهض مسار المفاوضات. وظهر حديث ترامب عن قرب التوقيع على اتفاق مع إيران بعد تفاهمات، فارغا من مضمونه الحقيقي، ويثبّت ارتباكه في إدارة المعركة عسكريا وسياسيا.

إذا صمتت واشنطن أو حاولت كبح جماح إسرائيل، تكون منحت طهران ما أرادته من وصل بين مسارها وبين مسار بيروت، وعند استكمال المفاوضات بين واشنطن وطهران سيكون لبنان بندا أساسيا على طاولتها، بلا مواربة أو تحايل هذه المرة. وعند استئناف المحادثات بين إسرائيل والحكومة اللبنانية في 22 يونيو/ حزيران الجاري بواشنطن سيكون من الصعوبة تجاهل التحذيرات الإيرانية.

توفر هذه المعطيات فرصة لحزب الله لتأكيد رؤيته في مسألتي الحرب والتسوية السياسية التي تنسجم مع طهران بشأن التشدد مع إسرائيل في عملية الانسحاب بالكامل من جنوب لبنان ووقف اعتداءاتها، وعودة أسراه، وترتيب نزع سلاحه منهجيا وفقا للضرورات الأمنية، وفي إطار من التوافق الداخلي بدلا من الإملاءات الخارجية. 

وبالتالي تفويت الفرصة على إسرائيل لتحقيق هدفها في إنشاء منطقة آمنة دائمة في جنوب لبنان، وترتيب أوضاع الشرق الأوسط على طريقة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، التي تستند على ضمان التفوق الإسرائيلي الكاسح، والتحكم في مفاتيح الحل والعقد بالمنطقة، وعدم التراجع عن عملية التخلص من القدرات العسكرية الكبيرة لإيران، وفي مقدمتها السلاح النووي.

تجد الإدارة الأميركية نفسها في ورطة. تفكر في آلية لإدارة المستجدات التي خلقتها الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل. ما يعزز التقديرات التي ذهبت إلى دخولها حرب بلا تخطيط مُحكم ومعرفة بالمآلات التي ستؤدي إليها. الرئيس ترامب دُفع دفعاً إلى هذه الحرب كأنه لا يعلم بدقة كيف يديرها، وكيف يوقفها؟

تتزايد حساسية هذه الأسئلة مع كل يوم يمر وإيران تفرض قبضتها على مضيق هرمز، وتتوالى الضغوط الاقتصادية على المجتمع الدولي، ويعلن مواطنون في الولايات المتحدة ضجرهم من ارتفاع نسب التضخم وأسعار الطاقة، ناهيك عن تراجع شعبية الرئيس ترامب داخل الحزب الجمهوري، وانخفاض مستوى الدعم الأميركي للحرب. ما يفرض التفكير في مخرج يحفظ ماء وجه الرئيس والدولة، ولا يكبّد واشنطن خسائر استراتيجية كبيرة.

تسببت التحديات الأميركية المتراكمة في مساعدة طهران على إدارة معركتها مع واشنطن بدقة. دخلت مفاوضات سياسية ويدها على الزناد. اتعظت من دروس وعبر المفاوضات السابقة. لم تأمن لتعهدات تقدمها الولايات المتحدة بلا ضمانات ملموسة. نجحت في تخفيض سقف التطلعات الأميركية والإسرائيلية نسبيا. وكشفت ضرباتها على إسرائيل أخيرا أن الروايات التي تم تداولها حول تقويض قدراتها العسكرية مشكوك في صحتها. وعبر بضعة ضربات خلقت قناة للوصل مع مسار لبنان.

يبدو أن ما كتبته في مقال سابق نُشر هنا قبل أيام بعنوان (تحديات وحدة الساحات) لم يتأخر الرد عليه من جانب إيران. الإنذار الموجه من إيران وعدم الاستجابة له وتنفيذ الضربات هي استعادة لما فقدته في الحروب المتقطعة التي واجه فيها حزب الله إسرائيل بمفرده، وتحاشيا لأخطاء ارتكبتها إيران في إدارة المعركة مع إسرائيل، وسعيا للوصل ومنع الفصل بين الساحات التي تتحرك طهران على مسارحها.