First Published: 2017-10-06

كي يكون للمصالحة الفلسطينية معنى

 

لن تقوم قيامة لغزّة ما دام سلاح 'حماس' خارج معادلة المصالحة. امّا سلاح شرعي واحد وامّا استمرار للفوضى.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

يبقى السؤال في نهاية المطاف هل يمكن توظيف المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية في خدمة مشروع سياسي قابل للحياة في ظروف في غاية التعقيد تمرّ فيها القضية الفلسطينية والمنطقة كلّها؟

عادت السلطة الوطنية الى غزّة بعد غياب زاد على عشر سنوات وضعت خلاله حركة "حماس"، وهي جزء لا يتجزّأ من تنظيم الاخوان المسلمين، يدها على القطاع وحولته الى "امارة إسلامية" على الطريقة الطالبانية. اين الذين استثمروا في "حماس" طوال السنوات العشرين الماضية التي امضتها في محاربة المشروع الوطني الفلسطيني القائم على خيار الدولتين وليس على ان فلسطين، كلّ فلسطين، "وقف إسلامي"؟

افلست "حماس" ماليا وسياسيا. هناك مشروع سياسي لا علاقة له بالمشروع الوطني الفلسطيني وجد من يموّله ويستثمر فيه في مرحلة معيّنة وصولا الى السيطرة على القطاع منتصف العام 2007. اكتشفت "حماس" أخيرا انّ معركتها الحقيقية مع نفسها وليست مع "فتح" او مع اهل غزّة، وليس خصوصا مع مصر التي عانت الامرّين من تحويل القطاع الى بؤرة للارهاب ومنطلق لعمليات تستهدف الامن المصري في سيناء.

لا شك ان المطلوب طيّ صفحة الماضي والتفكير بطريقة مختلفة بعيدا عن النمط التقليدي الذي يعني ان مهمّة الحكومة الفلسطينية الحالية برئاسة رامي الحمدالله، وهي حكومة فاشلة اصلا، تأمين الرواتب لموظفي القطاع العام في غزّة. لن يفيد هذا المنطق الاعوج في شيء، لا لشيء سوى لانّ لا فائدة من اقتصار مهمّة الحكومة الفلسطينية المنبثقة عن السلطة الوطنية، على زيادة العجز في موازنة السلطة. الاهمّ من ذلك كلّه، من المفترض في "حماس" الاقتناع بانّ سلطة مفلسة لا تستطيع دعم تنظيم مفلس امضى السنوات العشر الأخيرة في حفر انفاق لتهريب البضائع الى غزة بهدف التجارة وتحقيق زعيم هذه العائلة او تلك مكاسب خاصة وثروة صغيرة لا علاقة لها بايّ مشروع وطني من ايّ نوع. كان كلّ همّ المسؤولين عن الانفاق بين سيناء وغزّة استمرار الحصار على القطاع كي لا تنسدّ أبواب رزقهم.

كيف بدأت المصالحة الفلسطينية؟ معروف كيف بدأت. ما ليس معروفا كيف ستنتهي وهل ستكون هناك فائدة ما منها.

بدأت المصالحة بين "فتح" (جناح محمّد دحلان) ومجموعة من القيادات الحمساوية التي صارت تدرك ان لا افق لمشرع "الامارة الإسلامية" في غزّة. على العكس من ذلك، صار هذا المشروع الى افول بعدما ادّى الغرض المطلوب والمتمثّل في خدمة السياسة الإسرائيلية، وقبل ذلك القضاء على أي امل في احراز تقدّم على صعيد التسوية السلمية.

كانت سياسة "حماس" تقوم على عرقلة التسوية. حسنا، إسرائيل لا تريد تسوية. ماذا بقي من تلك السياسة بعدما تبيّن ان "حماس" كانت في خدمة إسرائيل في كلّ وقت؟

ما يبدو مفيدا اكثر من ايّ شيء اخر هو ادراك ان الشعب الفلسطيني ليس شعبا شحادا في طبيعته. انّه شعب يعمل، شعب لديه طاقات بشرية كبيرة، اكان ذلك في الضفّة الغربية او في غزّة او في كل انحاء العالم المنتشر فيه. الآن وقد امتدت المصالحة، بفضل الجهود المصرية كي تشمل أيضا "فتح" الأخرى، التي يتزعمّها محمود عبّاس (ابو مازن)، من المفروض التعاطي مع الامور كما هي بدءا بالاعتراف بانّ السلطة الوطنية لا تمتلك إمكانات مالية. اكثر من ذلك، من بين الأسباب التي ادّت الى الوضع الفلسطيني القائم حاليا ذلك التضخّم غير المبرّر لعدد الموظّفين الفلسطينيين في دوائر السلطة. ينم هذا التضخّم عن جهل في كيفية تأسيس الدول. تضخّم التضخّم بطريقة غير طبيعية منذ عودة ياسر عرفات الى فلسطين في العام 1994 نتيجة توقيع اتفاق أوسلو.

لم يدرك الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني انّ هناك حاجة الى وضع حدّ لسياسة توظيف المواطنين الفلسطينيين في الإدارة وانّ مثل هذه السياسة الاقتصادية التي لا تعتمد الّا على استمرار تدفق المساعدات الخارجية، خصوصا المساعدات العربية، لا بدّ ان تنتهي يوما. بقي "أبو عمّار" في فلسطين اسير ذهنية "جمهورية الفاكهاني" التي اقامها في بيروت.

من سوء حظ الشعب الفلسطيني انّ التطورات الإقليمية لم تخدم قضيّته. هناك محطتان اساسيتان ساهمتا في تراجع القضية الفلسطينية. كانت احداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001 نقطة تحوّل في اتجاه التركيز على الإرهاب وذلك في وقت كان رهان ياسر عرفات على عسكرة الانتفاضة، وهو ما شجعته عليه "حماس" والذين يقفون خلفها، على رأسهم ايران.

جاءت المحطة الثانية، وهي الاحتلال الاميركي للعراق، لتعيد النظر في كلّ التوازن الإقليمي ولتضع في الواجهة الصراع الشيعي – السنّي الذي يشكل رأس الحربة بالنسبة الى السياسة الايرانية التي اخذت نفسا جديدا بعدما سلم الاميركيون العراق لايران على صحن من فضّة.

مقارنة مع ما يدور في العراق، انتقلت القضية الفلسطينية الى قضية ثانوية على الصعيد الإقليمي. لم يعد سوى الملك عبدالله الثاني يذكّر بين حين وآخر بانّ فلسطين ما تزال أولوية وان الحاجة ماسة الى تسوية، في حال كان هناك من يريد فعلا خدمة الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط والخليج. هناك باختصار مصلحة اردنية في التوصّل الى تسوية عادلة... اما بقية العالم، فلا تبدو مهتمّة بذلك، لانّ لا مصلحة مباشرة لديها في تحقيق ايّ تقدّم في هذا المجال.

يمكن الحديث طويلا عن اهمّية المصالحة الفلسطينية. ولكن في نهاية المطاف، هل من رغبة في توظيف هذه المصالحة في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني؟ هل من فكرة يمكن تكوينها من اجل الوصول الى كيفية استخدام المصالحة بين جناحي "فتح" من جهة و"حماس" من جهة أخرى، كي تتمّ بلورة مثل هذا المشروع الوطني الفلسطيني الذي لا بدّ ان يقوم على خيار الدولتين؟

قبل ذلك كلّه، لا بدّ ان تقتنع "حماس" بان لا خيار آخر غير خيار وضع حدّ لفوضى السلاح. لن تقوم قيامة لغزّة ما دام سلاح "حماس" خارج معادلة المصالحة. امّا سلاح شرعي واحد وامّا استمرار للفوضى. وهذا هو الفشل الأكبر الذي ينتظر المصالحة.

إضافة الى ذلك كلّه، يبقى السؤال الأساسي المرتبط بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة قادرة على العيش بسلام وأمان مع محيطها. لم يهبط رئيس الوزراء الفلسطيني على غزّة من الجو. جاء عبر معبر يسيطر عليه الإسرائيليون. دخل غزّة وقال ما يريد قوله. ولكن ما الذي سيحصل في اليوم التالي؟

في التاريخ الفلسطيني الحديث، جرت محاولة لبناء مؤسسات لدولة فلسطينية في الضفة الغربية. قادت هذه المحاولات حكومة برئاسة سلام فيّاض الذي لم يستطع رئيس السلطة تحمّله. هل هناك من يريد اعداد الفلسطينيين من اجل ان تكون لديهم دولة في يوم من الايّام؟ في حال هناك من هو مستعد للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الكلام عن امل في انّ المصالحة كانت نقلة نوعية نحو وضع افضل يأخذ في الاعتبار ان المسألة ليست مسألة افلاس "حماس" وعجزها عن دفع الرواتب في غزّة، بل هي مسألة تتجاوز ذلك بكثير. انّها بكل بساطة مسألة السعي الى استثمار المصالحة في مشروع وطني جديد في حاجة الى بلورة لا اكثر ولا اقلّ.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
اسبوعان على تصفية علي عبدالله صالح
2017-12-18
إدارة ترامب والكلام الجميل عن ايران
2017-12-17
لا للانتحار الفلسطيني...
2017-12-15
الانتصار على لبنان عبر المتاجرة بالقدس
2017-12-13
من صنعاء... الى جنوب لبنان
2017-12-11
قمة الكويت... فرصة لمجلس التعاون
2017-12-10
ما سقط مع علي عبدالله صالح
2017-12-08
الفصل الأخير الذي لم يكتبه علي عبدالله صالح
2017-12-06
ايران ووقاحة البقاء في سوريا
2017-12-04
الاستقلال... فرصة ضائعة في الجنوب اليمني
2017-12-03
المزيد

 
>>