First Published: 2012-06-14

متى يستجيب القدر؟

 

تعلمنا تجربة السيكولوجية الالمانية هيدميره شوارمير أن الاتكال على القدر غير كافٍ للوصول، وأن على قوى التغيير أن تؤمن بذاتها وتسخر كل إمكانياتها لخدمة مجتمعها دون الاستعانة بالاجنبي كائناً من كان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: ياووز عزت

قرأت قبل ايام عن تجربة قامت بها السيكولوجية الالمانية هيدميره شوارمير في مدينة دورتموند المكتظة بمن لا مأوى لهم والعاطلين عن العمل، علها بها تستطيع المساهمة في فك طوق العزلة عنهم والمساعدة في إرجاعهم الى المجتمع واشراكهم في امورها، لتخفيف وقع الحاجة والفارق الطبقي بين سكان المدينة الواحدة واتقاء آثارها السلبية.

تلخصت فكرة البحث في انه يمكن الاستغناء عن المال حين المتاجرة والاستفادة من الخبرات والمهرات عوضاً عن ذلك، لان المتشردين ليسوا بحاجة الى المال الفعلي للاشتراك في بنية المجتمع، بل هم في امس الحاجة الى اتاحة فرصة الاشتراك لإثبات ذواتهم. وحُددت فترة اتمام التجربة في مدة أمدها عام واحد.

اقتضت التجربة من السيدة هيدميره فتح متجر المبادلة، حيث يتمكن اي شخص المتاجرة من دون استعمال النقد بل الاستعاضة عنها بأسلوب المقايضة. وبمعنى أدق استبدال الحاجة مقابل الحاجة اوالخدمة والاستغناء التام عن العملة النقدية كأسلوب للدفع عند شراء الحاجة او كأجر مقابل الخدمة.

وهكذا فتحت المجال امام كل شخص يريد الاشتراك في مثل هذه المتاجرة ليساهم بدوره في قضاء حاجات الآخرين ويحصل على ما يبتغيه من خدمة أو حاجة بمجرد استخدام مهاراته او استبدالها بحاجة زائدة لا يستفيد منها. فمثلاً حلاقة الرأس مقابل قطعة من الملابس اوتنظيف القدور مقابل وجبة طعام.

اقتضت هذه التجربة من السيدة هيدميره الاستغناء عن كل ما لديها من اجل انجاحها؛ بيتها، وحساباتها في البنك، وعملها كطبيبة مختصة للأغنياء وكلَ مقتنياتها الاخرى. ماعدا العدد المحدود من قطع الملابس واشياء ضرورية جداً، مثل فرشاة الاسنان ومشط للشعر. وبدأت تعيش حياة شبيهة بحياة البداوة، تنتقل من مكان الى آخر من اجل المبيت والاستحمام. تعمل مربية اطفال تارة ومعلمة تارة اخرى. تطبخ وتغسل الصحون في مرات كثيرة اخرى مقابل أجر رمزي يقتصر اما على الاقامة او لقمة العيش او بطاقة الى مسرح او سينما.

وبذلك اصبحت خدمتها في مجال الصحة النفسية متيسرة لكل من يحتاج بعد ان كانت مقتصرة على الاغنياء من قبل؛ فقد اصبح بمقدور اي شخص دفع الاجر الرمزي الزهيد مقابل تلك الخدمة.

وبفضل تلك التجربة احست السيدة هيدميره بمدى بؤس حياتها في الفترات ما قبل التجربة. وعلاقة تأثير تلك المشاعر والاعراض البدنية مثل اوجاع الظهر والامراض المستمرة التي كانت تعاني منها. فقررت أن تواصل حياتها بعد التجربة على غرارها، فلم تستخدم العملة النقدية بعد تلك الفترة بل اكتفت بأسلوب المقايضة التي ابتكرتها. وخلال تلك الفترة اْلّفت عدداً من الكتب تتحدث فيها عن تجربتها في العيش بدون المال، وتبرعت بالريع الوارد من بيع تلك الكتب الى المؤسسات الخيرية.

وعبرت السيدة هيدميره عن مشاعرها بانها إضافة إلى ما لمسته من تحسن في حالتها الصحية والنفسية، تمكنت من ان تلمس ذاتها في من بقي حولها من النخبة القليلة التي تقيم البشر لذاتهم بعيداً عن النفاق. وتخلصت بذلك من ذباب البشر الذين يتهافتون على الاوساخ والحلي على حد سواء بدون تمييز فلا يتركونها الا بعد أن يزيدوها قذارة وضرراً. وكأنها في ذلك كانت تتبع خطى الافذاذ في مجتمعاتنا أمثال محمد وعلي.

النقطة التي اردت الاشارة اليها في الخطوة اعلاه هي؛ انه اذا اراد الشعب الحياة فان الاتكال التجريدي على القدر غير كاف للوصول الى المرام، رغم ايماننا الكبير بالقدر، ولكن يجب ان يقترن الايمان بالسعي الجاد حتى يستجيب القدر.

وربما ذلك هو احد اسباب الفجوة الكبيرة بين بعض المجتمعات البدائية وبين مجتمعات أنجبت امثال السيدة هيدميره، التي آمنت بذاتها وسخرت كل ما ملكت من امكانيات من اجل المساهمة في التغيير خدمة لمجتمعها ومن غير محاولة الاستعانة بالاجنبي كائناً من كان.

فحينما خرجت المانيا من الحرب العالمية جريحة، تجر خلفها ذيول الهزيمة والدمار، والديون المتراكمة، لم تيأس ولم تستسلم. ولم ترسل احداً لتقبيل يد هذا او ذاك. بل تعاون أبناؤها على لملمة جراحاتها، وسعت جادة بدون الالتفات الى امجاد الماضي بل تعلمت من اخطائها، سواء آمنت بالقدر ام لم تؤمن به، سعت الى الحياة..فاستجاب القدر.

فبقيت حية وارتقت حتى بدأت ترسل انظارها خلف محيط كوكبنا علّها تجد من يضاهي تقدمها فتتخاطب معها بعد ان تحددت تلك الصفات في بعض الدول في حدود كوكبنا.

هذا اذن هو الفرق بينهم والمجتمعات التي التصقت في مستنقع ما بين بعد الماضي المجيد وما قبل الحاضر المجهول، لا تستطيع الرجوع الى الماضي للاستمرار في حلاوتها ولا التواصل مع الحاضر للحاق الى المستقبل حيث وصل بعض سكان المعمورة.

وهكذا فإن الفجوة بين القطبين اصبحت من العمق بحيث لا يمكن قياسها باستخدام المقاسات المتوفرة والمعروفة لدى بني البشر. وبينما تكاد رقاب البعض تنكسر من كثرة التلفت وذكر محاسن الماضي، والتفاخر وادعاء الانتساب اليها. وهو قابع في جوف الرذيلة بلا حراك، يحيط به من فقدوا لحاهم بين "حانا" التي وظَّفها بريمر لتخدم مصالح أميركا على مصالح شعبها و"مانا" التي تقرع الابواب لتعلن استعدادها للإهانة، لأنها فقدت الثقة في ذاتها.

فلا ضير اذن في تجربة الخيانة ان كان ذلك في مقابل ذلك شهرة او جاه او في منصب، كتلك التي تخلت عنها السيدة هيدميره بجدارة، فاختلفت عن الدمى البشرية التي فقدت جوهرها وتحولت الى اشباه المهرجين، تتناطح فيما بينها، هدفها الاسمى كرسي، حتى ان كان بلا ولاية، كتلك التي لوح بها الرئيس الماكر السيد جلال الطالباني فكاد على اثرها يقتتل نواب التركمان فيما بينهم.

شعوب بعض الجتمعات اسيرة لعواطفها، حينما تثار تتخبط فتثأر، وحينها تحاول ان تهدم كل شيء وتنتقم من كل شخص او شيء. وحينما تهدأ تندم وتعض اصبعها، ولكن حين لا يجدي الندم. وليست التخبطات المتوالية التي نشهدها في بلداننا الا اثر ذلك. وغدت المصطلحات الرنانة التي تستعمل بكثرة بلا معنى؛ كالتضحية والفداء والوفاء والقيادة وغيرها. بعد ان تحولت الى اداة تستعمل غطاء للتضليل والتمويه في يد من لا يرحم.

وعليه فالاقتداء بالسيدة هيدميره وامثالها من الذين نزلوا الى ساحة التغيير وقرروا فعل ذلك بأنفسهم ولم يطلبوها من اجنبي، ولا من دولة صديقة او عدوة او متربصة، ولم يدعوا أساس فعلهم ذلك في تضحية او لطلب عنوان في بطولة او منصب في البرلمان. بل يجب ان يكون ذلك سمة كل طيب يحاول المساعدة في مجتمعه من الركود، ومن دون انتظار الاطراء من المنافقين او المصفقين. علها ذلك تكون الوسيلة الوحيدة لمساعدة تلك المجتمعات في النهوض من كبواتها وتعثراتها. ربما حينها يستجيب القدر.

ياووز عزت

ماجستير في القانون الدولي والأمور المالية

 

مصر تدعو آخر متحدث باسم القذافي لمغادرة أراضيها

حزب الله يروّج لقدراته الخارقة في تعقب العمليات الإرهابية

اعين اللبنانيين شاخصة بانتظار الجنود المخطوفين: لننسى الطائفة مؤقتا

فتح كنيسة للكلدان في كركوك يعيد امل الاستقرار للمسيحيين

هل تلمّ معركة كوباني شمل الاكراد؟

واشنطن وطهران تعيدان رسم خارطة المنطقة

اباطرة الحكم في الجزائر بعمر ثورة التحرير!

ايران تروج: قاسم سليماني القائد الفعلي للجيش العراقي

الشيعة والمسيحيون في الموصل: حتى البيوت لم تنج من مصائر اصحابها

العاهل المغربي يطلق مشروع إعادة الإدماج الحضري للمكانسة الشمالية

محكمة دبي تغرّم بنكا سويسريا لفائدة مستثمرين كويتيين

الجيش اللبناني 'يصطاد' المسلّحين في مخيمات اللاجئين السوريين

محافظو الجنرالات بالجزائر يغطون على الفساد بتوقيع رسمي

'تونور' جسر لتصدير الطاقة الشمسية التونسية إلى أوروبا

هجمة سيارات صينية على الكويت

مصر تحظر تحالف دعم الاخوان

حياة النازحين العراقيين على محك غلاء الوقود

الحبس لوكيل المخابرات المصري السابق لمساسه بـ'الامن القومي'

وعود العبادي بالرد على مجزرة عشيرة البونمر لا تكفي

واشنطن تجفف مع كردستان منابع التمويل النفطي للجهاديين


 
>>