First Published: 2017-10-13

الهوية الجامعة.. الاشكالية والتحديات

 

التشبث بالشعارات الكبيرة والاعتقاد انها تعادل الواقع مسألة تحتاج الى اعادة تفكير وتأمل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. سليم نزال

حالة الانهيار التى تعانيها المنطقة وخاصة المشرق فتحت الباب واسعا للحديث عن الاقليات العرقية والدينية، وهذا امر جيد فى حد ذاته. وان كان من الافضل لو جرى عقب تشكيل الدول الوطنية فى المشرق حيث كان بالامكان لو توفرت الشفافية والحرية الضرورتين من تحديث افكار الفكر القومي العربي خاصة في القضايا الاشكالية التي يمكن تقسيمها الى مسالتين.

الاولى تركيزه على حرية الاوطان من القوى الامبريالية بدون ان يتصل هذا وينعكس على حرية المواطن بحيث اوقع الدولة الوطنية في تناقض مع نفسها فهي لا تريد املاءات القوى الكبرى ولكنها في الوقت نفسه تقوم بالاملاءات على شعبها. وكان هذا خطأ جسيما لانه اضعف حتى مقاومة الدولة للقوى الامبريالية واثبت انه اسلوب غير ناجح في الحكم وادارة البلاد بل وحامل للازمات. ولذا فان اهم درس من المفترض تعلمه من تجربة نصف قرن على الاقل من الحكم القومي ان لا حرية للوطن بدون حرية المواطن.

المسألة الثانية هي غياب الشفافية في موضوع ما يعرف بالاقليات العرقية والدينية بحيث ان هؤلاء قد تم تهميشهم وتركهم بلا انتماء فعلي. واعتقد ان الدولة ركزت كثيرا على مفهوم العروبة الى الدرجة التى لم تعد تستطيع فيه رؤية هواجس الاخرين من ابناء البلاد الذين قد لا يتشاركون معها في هذا التصور جزئيا او كليا.

لقد كان من الممكن - وان ليس مؤكدا - ان توفرت الشفافية المطلوبة في مثل هذه المسائل التخفيف من اثار النكبة الحالية التي تمر بها البلاد العربية.

والامر الثالث الذي زاد الامور سوءا ان الدولة العربية وخاصة من تبنى منها العروبة السياسية لم تتح لها الفرص في ان تتطور في ظروف سلام. فقد اعلنت الدولة العثمانية الحرب على اصحاب الفكر القومي، واستكمل الانكليز والفرنسيون الامر بأسلوب عبر خلق حقائق سياسية على الارض، وجاءت اسرائيل لاحقا لتبني استراتيجتها على اضعاف الرابطة القومية والعبث بالنسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد، اضافة للتيارات الاسلامية المختلفة التي اعتبرت العروبة عدوة لها.

عندما تقع الاوطان في ازمات ذات طابع وجودي لا بد من المراجعة الجذرية للكثير من الافكار السابقة التي اثبتت الوقائع عدم نجاحها. التشبث بالشعارات الكبيرة والاعتقاد انها تعادل الواقع مسألة تحتاج الى اعادة تفكير وتأمل.

بهذا المعنى لا بد من تحصين العروبة السياسية وتلقيحها بافكار جديدة لكي تستطيع تجاوز الواقع الراهن. وايا كان تمسكنا بالانتماءات الوطنية وهي امور طبيعية فان العروبة بالمعنى الحضاري هي الوعاء الاكبر الذي يفترض ان يضم برحابة صدر المكونات الحضارية المتنوعة في الاقليم العربي.

وقد بدأنا نسمع في الاونة الاخيرة حملات تشن على العروبة على اساس انها توسعت وتمددت تاريخيا على حساب اقوام اخرى وهذا امر لا يمكن انكاره. وهو امر لا يقتصر على العرب وحدهم لان كل حالات التوسع الحضاري عبر التاريخ توسعت بذات الاسلوب. اللغة الانكليزية لم تصل كندا والولايات المتحدة ولا البرتغالية وصلت فى الارجنتين او الاسبانية فى اميركا الجنوبية بمنطق غصن الزيتون. كل اللغات توسعت بالعنف والهجرات والتزاوج وغيرها من العوامل. وهذا احببنا ام لم نحب هو تاريخ البشرية كلها. ولا يمكننا في كل مرة ان نسمع من يقول "انتم جئتم من الجزيرة العربية ونحن السكان الاصليون!" لان هذا منطق لا يفيد فى مسالة التقدم بل يبقى نوعا من قنابل موقوتة يعيق الدمج المجتمعي والانتماء الجامع.

ان المنطقة الممتدة من اليمن حتى المغرب منطقة انتشار حضاري عربي بكل معنى الكلمة. والاسلام كونه المرجعية الدينية للاكثرية يلعب دورا في هذا الدمج الحضاري الذي يحتوي على عرب مسيحيين ويهود وصابئة ويزيديين ومسلمين غير عرب.

لذا فان اي مشروع حضاري للنهضة العربية في المستقبل لا بد ان ينطلق من هذه الحقيقة. ولهذا يجب القول ان الاشتغال المؤدلج والموجه وشحن الهويات الصغيرة بأفق رافض للدمج والانتماء للهوية الاكبر مسألة خطيرة لا بد من الانتباه لها وتصويبها. واذا كانت قوة الحضارة العربية الاسلامية عبر التاريخ تكمن في قدرتها على دمج الحضارات الاخرى فان قدرتها على تجاوز الواقع الحالي ومستقبلها يكمن في قدرتها ان تكون وعاء حضاري لكل التنوعات الموجودة في الاقليم العربي.

 

د. سليم نزال

مفكر وباحث فلسطيني

ابحاثه وكتاباته مترجمة الى اكثر من خمس عشرة لغة

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الأوطان العربية لم تتحرر ، والشفافية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية ليست من صفات البدو ، والخلافة سقطت تماما كحمار أمام اسد ، والقومية العربية لم تلد بسبب غزو وسلب العرب لبعضهم البعض. مشروع بحيرة و ورقه وخديجة فشل تماما.

2017-10-14

 
د. سليم نزال
 
أرشيف الكاتب
الهوية الجامعة.. الاشكالية والتحديات
2017-10-13
نحو مراجعات حقيقية لنكبة فلسطين عام 1948
2017-06-10
في فلسطين، الافة الكبرى هي وضع الايديولوجيا قبل الوطن؟
2016-11-04
الفلسطينيون وهم يتفرجون على جولة نتنياهو في أفريقيا
2016-07-10
الصراع في المنطقة الان هو في الجوهر هو صراع حضاري بين المشرق والجزيرة العربية
2016-07-05
يا لمفارقات التاريخ، أتراك من الفضاء العثماني يضربون تركيا
2016-07-02
قراءة في بعض جوانب مشكلة اللاجئين في اوروبا
2016-04-12
هل يمكن علاج التطرف الديني بالموسيقى
2016-04-07
انظمة التخلف والعروبة المخطوفة
2016-04-01
ما هو حصاد الربيع العربي؟
2015-12-19
المزيد

 
>>