First Published: 2017-10-05

نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟

 

إسرائيل لم تعد تتلقى دعما تلقائيا من القوى الدولية. ثمة جهات كثيرة على استعداد للتعامل بطريقة مختلفة عما ألفناه من محاباة ومساندة وتضليل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

المراقب للمشهد العام للصراع العربي الإسرائيلي يتأكد أن هناك تحولات كبيرة طرأت عليه في السنوات الماضية، بدءا من تراجع موقع القضية الفلسطينية في الوجدان العربي، وحتى أدبيات ومفردات الصراع الشائعة التي لعبت فيها التطورات الإقليمية دورا مهما في تحريكها بعيدا عن مسارها التقليدي.

ساهمت الانتهاكات والممارسات الإسرائيلية المتواصلة بدور معتبر في ترسيخ أمر واقع قد يصعب تغييره لاحقا، وأدى الانقسام الفلسطيني إلى هز عدد من الثوابت التاريخية وضاعف من المتاهة السياسية والأمنية.

المصالحة الفلسطينية التي ترعاها مصر واحدة من المداخل الرئيسية لتصويب بعض المسارات الخاطئة، فالحوار والتفاهم والتوافق بين القوى الوطنية نقلة نوعية باتجاه توحيد الصوت والبوصلة والقرار الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للطريق الشرعي الذي تأثر كثيرا بالتجاذبات والمكايدات والخلافات التي سادت الفترة الماضية، ودحض الذرائع التي درجت على تسويقها تل أبيب للتنصل من عملية التسوية وتجميدها سنوات، وهو ما منح إسرائيل فرصة استمرار تجريف الأرض والحجر والبشر وكافة المقومات الفلسطينية الحية.

الاستدارة الإيجابية التي تحدث الآن بين الحركات الفلسطينية، واحدة من الأدوات التي تعيد الحياة للقضية الأم في المنطقة، وتشي أن وضوح الرؤية والعزيمة والاخلاص محاور ضرورية لمواجهة التحديات، وتنزع أحد أهم الأسلحة التي يستند عليها رؤساء الحكومات المتعاقبة في تل أبيب.

وهي تكمن في الخلاف بين القوى الفلسطينية الذي منح إسرائيل فرصة للتنصل من غالبية الاستحقاقات التي تقرها الشرعية الدولية، ومحاولة تشويه الفلسطيني والتعامل معه على أنه "مجرم وقاتل وإرهابي وخارج على القانون"، في وقت تم فيه تجاهل المجرمين والقتلة والإرهابيين والخارجين على القانون الحقيقيين داخل إسرائيل.

الأسبوع الماضي صكت وسائل الإعلام الإسرائيلية لفظا ربما يكون جديدا بالنسبة لكثيرين، وهو "القاتل المناوب" الذي وصف به المواطن نمر الجمل (37 عاما) الذي أطلق النار على عدد من أفراد الشرطة الإسرائيلية فقتل ثلاثة وأصاب رابع، بعدها انقلبت الدنيا في إسرائيل، لأن نمر الفلسطيني كان يعمل في إحدى المستوطنات ويخضع لفحص أمني دوري كل ستة أشهر وغير معروف أن له انتماءات سياسية معادية، لذلك كان مفاجأة لأجهزة الأمن.

أصداء الحادث خلفت تداعيات كثيرة في دوائر إسرائيلية متعددة، واستخدمه المتطرفون كدليل على أن كل فلسطيني مشكوك في نواياه وأنه "قاتل مناوب أو محتمل"، أملا في قذف الكرة بعيدا عن ملعب المستوطنين.

المواطن الفلسطيني نمر الجمل أطلق النار بعد أن فاض به الكيل، وكان يخضع يوميا لأنواع مختلفة من الفحص الأمني والإذلال والمضايقات، ذهابا وإيابا من قريته "بيت سوريك" في شمال غرب القدس المحتلة إلى مستوطنة "هار أدار" المجاورة، وأخفقت كل الحجج الإسرائيلية في حرف القضية عن مسارها، وجرى تشويه الرجل الذي سقط شهيدا على الفور بأيدي جنود الاحتلال، وتصويره على أنه مريض نفسي وتعرض لضغوط عائلية، في محاولة لإخفاء الدوافع الحقيقية التي أدت إلى قيامه بالحادث، وتتعلق بالانتهاكات التي يتعرض لها يوميا الشعب الفلسطيني.

إذا كان نمر الفلسطيني قتل الجنود الإسرائيليين تحت وقع الظروف غير الإنسانية التي تعرض لها من جانب قوات الإحتلال، فما هي مبررات وتفسيرات الجرائم التي يرتكبها نمور إسرائيل من المستوطنين وغلاة المتطرفين وقطاع من المعتدلين وكلهم يتفاخرون بجرائهم السياسية والأمنية بحق الفلسطينيين؟

هؤلاء يلقون التأييد والدعم الكبير من معظم القوى السياسية، وتسعى الحكومة دوما إلى استمالتهم من خلال غض الطرف على تصرفاتهم وتجاهل الانتقادات والعقوبات الدولية التي تأتي من ورائهم، والتصميم على تدليلهم، سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا.

التوازنات الفلسطينية المختلة في طريقها للتغير بمجرد وصول المصالحة إلى محطتها النهائية، بينما تظل المعادلة الإسرائيلية تحركها حسابات داخلية وأيديولوجية، وتضرب حكومتها عرض الحائط بكثير من المواقف الدولية، ما لم ينتبه العالم إلى أن هذا المنهج سوف يؤدي إلى مزيد من الخلل في المنطقة، لأن عدم ممارسة المجتمع الدولي لضغوط كافية على إسرائيل يمنحها الفرصة للاستمرار في غيّها ويرسخ قناعات عديدة حول عدم القدرة على ردعها.

المسرحية التي ألفتها وأخرجتها إسرائيل بشأن وضع بوابات اليكترونية عند مدخل المسجد الأقصى مؤخرا، انتهت فصولها على الفور عندما كانت هناك رغبة دولية للضغط عليها، وإرادة قوية لعدم تفجير الأوضاع الساكنة منذ فترة، وتحاشي المزيد من إحراج بعض القوى الكبرى، بمعنى أن ثمة أدوات سياسية يمكن استخدامها لوقف ما تقوم به قوات الاحتلال من إجراءات متدنية، لكن اللجوء إليها يتوقف على مدى توافر الرغبة والإرادة معا.

الحال تكرر أيضا مع منظمة اليونسكو في مايو الماضي، واستنكرت جميع الإجراءات والأفعال القانونية والإدارية التى تتخذها إسرائيل وغيرت أو تسعى إلى تغيير طابع ووضع مدينة القدس، وتجاهلت المنظمة حملات التهديد والوعيد التي أطلقتها تل أبيب وبعض أصدقائها وحلفائها.

علاوة على النصر الدبلوماسي الذي تحقق في 27 سبتمبر الماضي، عندما تم قبول فلسطين كعضو في منظمة الشرطة الدولية (انتربول)، وتجاهل مناورات إسرائيل للحيلولة دون قبولها، لأن العضوية تمنح السلطة الفلسطينية مكسبا معنويا وحقا ماديا في ملاحقة مجرمي الحرب في إسرائيل.

الواضح أن الفترة المقبلة تحتاج إلى قدر كبير من الخبرة والحكنة والمسئولية من قبل الحركات الفلسطينية، ومحاولة توظيف التغيرات باتجاه إسرائيل التي لم تعد تتلقى دعما تلقائيا من القوى الدولية، فهناك جهات كثيرة على استعداد للتعامل بطريقة مختلفة عما ألفناه من محاباة ومساندة وتضليل خلال السنوات الماضية، شريطة أن يتوحد الفلسطينيون ويتقن قادتهم فن مخاطبة العالم بما يفهمه، والخروج من ربقة التقديرات الحركية التي كلفت القضية خسائر فادحة كادت أن تدخلها طي النسيان.

الفرصة مواتية حاليا لإعادة ترتيب الأوراق الداخلية، وإسرائيل التي كانت تحدد موعد إطلاق رصاصها وصواريخها وتحرك دباباتها في الاتجاه الذي تريده، ليست هي إسرائيل الآن الحذرة والتي تتريث كثيرا خوفا من التعرض لانتقادات دولية حاسمة، فقط مطلوب من القوى الفلسطينية الترفع عن الصغائر وإعادة اللحمة الوطنية، يومها سيدرك العالم أن نمر الجمل البسيط كان ضحية نمور إسرائيل المتوحشين.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
المزيد

 
>>